الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١٣وبهذا يمكن الجمع بين الروايات التي تقول بأن أهل حروراء حجوا ابن عباس والروايات التي تقول بأنه لما حاجهم رجع قسم منهم تائبين بأن التوبة صدرت من قبل الذين كانوا قبلوا فكرة التحكيم أولاً، وهذه التوبة عن قبول التحكيم لا عن معارضته، بدليل قولهم: "وقد تاب إلى الله من كان منا مائلاً إلى الحكومة" وقولهم: "عرفنا إخواننا الحق"، وتكون تلك الروايات الأخيرة قد تخطت الفترة من رد أهل حروراء على ابن عباس ثمّ مجيء علي إليهم في حروراء وما جرى فيهامن النقاش بينهم وبينه لتقفز من رد ابن عباس على حجج أهل حروراء إلى إعلان بعضهم التوبة من قبول التحكيم أمام الإمام علي كرم الله وجهه في حروراء. ويرجح الاقتضاب في هذه الروايات أن فيها أن فرقة من أهل حروراء دخلوا الكوفة وأنهم "قتل سائرهم" خلافاً لما ثبت أنهم دخلوها من عند آخرهم(1)، ثمّ توجه فريق منهم إلى النهروان فقتل جلهم هنالك.
ولعل الإمام عليّاً أراد أن يتألف قلوب أهل حروراء وأن يجمع أفراد جيشه كلهم تحت رايته، "وحاول -كما يقول شارح نهج البلاغة- أن يسلك معهم مسلك التعريض والمواربة فقال لهم كلمة مجملة مرسلة يقولها الأنبياء والمعصومون وهي قوله: أستغفر الله من كل ذنب، فرضوا بها وعدوها إجابة لهم على سؤالهم وصفت له -عليه السلام- نياتهم، واستخلص بها ضمائرهم من غير أن تتضمن تلك الكلمة اعترافاً بكفر أو ذنب"(2). فكان من سياسته أن أظهر لهم الميل إلى رأيهم، وذلك منه ليحسم الشقاق ويرأب الصدع ويسد الثلمة ثمّ ليفعل الله ما يريده من الخير لعباده، ولهذا نجد عند الطبري أن عليّاً لما قال له أهل حروراء: "فخبرنا عن الأجل لم جعلته بينك وبينهم؟ " قال: "ليعلم الجاهل ويتثبت العالم ولعل الله عز وجل يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة، ادخلوا مصركم رحمكم الله" فدخلوا من عند آخرهم(3).
(1) / ابن أبي شيبة (المصنف) جـ15 ص312/ البلاذري (الأنساب) جـ3 ص123،130،133/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص110.
(2) / ابن أبي الحديد (شرح نهج البلاغة) جـ2 ص279،280.
(3) / الطبري (التاريخ) جـ3 ص110.