الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١٦ب- الحَكَمان، فإن عمرو بن العاص غير عدل حسب رأيهم، أما أبو موسى فإنه لا يمثل وجهة نظر الإمام علي لأنه لم يشترك معه في القتال، بل كان منعزلاً، "وكان منحرفاً عن علي لأنه عزله ولم يستعمله"(1)، "فلم يزل واجداً منها على علي"(2) على حد تعبير ابن عبد البر، وكان أبو موسى يخذل الناس عن علي بالكوفة وينهاهم أن يخرجوا معه(3)، بل ورد عنه نفسه قوله: "ما ينبغي لقوم اتهموني أن يرسلوني لأدفع عنهم باطلاً أو أجر إليهم حقّاً"(4). فهو على أحسن تقدير محايد، أي غير متحمس للفكرة التي صار موكلاً بها حماس عمرو بن العاص لفكرة موكله.
جـ- الحُكْم، وهو النتيجة التي أصدرها الحكمان، وما يهم من ذلك الحكم عزل الإمام علي عن الخلافة، الأمر الذي سوّغ لأن توصف حادثة التحكيم بأنها مهزلة(5).
كل هذه الأمور عززت من موقف معارضي التحكيم، فلو تمسكوا فقط بنتيجته لكان لهم عذرهم المقبول. على أننا يجب أن لا نغفل عن أن إصرارهم على استمرار القتال إنما كان لصالح الإمام علي نفسه، وقبول التحكيم يشكك في عدالة قضيته، ولهذا كان من قول أهل حروراء له: "دعوتنا إلى كتاب الله والعمل به فأجبناك وبايعناك، وقد قتلت في طاعتك قتلانا يوم الجمل وصفين، ثمّ شككت في أمر الله وحكمت عدوك ونحن على أمرك الذي تركت وأنت اليوم على غيره … "(6).
والحقيقة أن التبرم والاستياء من فكرة التحكيم لا يختص به أهل حروراء، بل نجد ذلك فيمن لم يكن في صفين، فهناك من يقول: "والله ما صنع علي شيئاً، ذهب ثمّ انصرف في غير شيء"(7). وإجابةً على سؤال من علي وهو في طريقه إلى الكوفة: "خبرني
(1) / ابن عبدالبر (الاستيعاب) جـ4 ص1764.
(2) / المصدر السابق جـ3 ص980.
(3) / البلاذري (الأنساب) جـ3 ص14،31/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص25،28/ البسيوي (السير) جـ2 ص82.
(4) / المنقري (صفين) ص534،535.
(5) / العقاد (عبقرية الإمام) ص70/ إسماعيل (قضايا في التاريخ) ص70/ معروف، أحمد (قراءة جديدة في مواقف الخوارج) ص42/ الزحيلي (آثار الحرب) ص766.
(6) / البلاذري (الأنساب) جـ3 ص127، 128.
(7) / الطبري (التاريخ) جـ3 ص108.