الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٢٩يقتل ولم يستعرض فهو آمن، ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن، إنه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك دمائكم"(1)، فكان هذا سبباً لتنكره حتى يضمن لنفسه الأمان ثمّ يكشف عن هويته، وبعد ذلك يكون مسعر قد اتجه إلى البصرة على رواية الأشعري والمقدسي.
ثانياً: ثمة أمر آخر - غير ما تقدم - يؤيد عدم انتهاج أهل النهروان أمر التقتيل والاستعراض، وأنه لا تعدو حوادث القتل المذكورة كونها خروجاً فردياً على هذا الإطار.
فقد كان أبو بلال مرداس بن أدية التميمي ممن شهد صفين مع علي وأنكر التحكيم(2) ثمّ اعتزل إلى حروراء(3)، وشهد النهروان مع منكري التحكيم(4)، وكان من الأربعمائة(5) الذين ارتثوا في المعركة فنجا(6)، وقد بقي إلى عهد زياد بن أبيه والي معاوية على الكوفة والبصرة، وكان زياد يستخلف(7) على البصرة إذا خرج منها سمرة بن جندب الفزاري. وقد اتخذ كل من زياد وسمرة سياسة جائرة مع مخالفي السلطة يومئذ وبلغت مبلغاً عظيماً، الأمر الذي أدى إلى تطرف بعض المعارضين، فكان من ذلك حادثة قريب بن مرة الأزدي الإيادي وزحاف بن زحر الطائي وكانا ابني خالة، فقتلا رجالاً، فقال أبو بلال: "قريب لا قربه الله من كل خير وزحاف لا عفا الله عنه، لقد ركباها عشواء مظلمة" يقول لاستعراضهما الناس(8). وفي رواية: "قريب لا قربه الله، وايم الله لأن أقع من السماء أحب إلي من أن أصنع ما صنع" يعني الاستعراض(9).
(1) / الطبري (التاريح) جـ3 ص121.
(2) / البلاذري (الأنساب) جـ55 ص189/ المبرد (الكامل) جـ3 ص1175.
(3) / البلاذري (الأنساب) جـ3 ص114.
(4) / البلاذري (الأنساب) جـ5 ص189/ المبرد (الكامل) جـ3 ص1175.
(5) / يذكر كل من البلاذري والطبري أنه ارتث في معركة النهروان أربعمائة من أهل النهروان: البلاذري (الأنساب) جـ3 ص149 /الطبري (التاريخ) جـ3 ص123.
(6) / ابن خياط (التاريخ) ص119/ المبرد (الكامل) جـ3 ص1175.
(7) / البلاذري (الأنساب) جـ5 ص219/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص207، 208.
(8) / البلاذري (الأنساب) جـ5 ص183/ اليعقوبي (التاريخ) جـ2 ص232/ المبرد (الكامل) جـ3 ص1169.
(9) / الطبري (التاريخ) جـ3 ص209 .. هذا، ويرضى الإباضية عن كل من أبي بلال وقريب وزحاف، انظر: أبو المؤثر (السير) جـ 2 ص314/ الدرجيني (الطبقات) جـ 2 ص214، 233/ الشماخي (السير) جـ 1 ص60،= =65. والسبب في ذلك ما يرويه الإباضية من أن قريباً وزحافاً قد تابا مما صنعاه، انظر: الدرجيني (الطبقات) جـ 2 ص 234، وعليه فإن كلام أبي بلال فيهما كان قبل إعلانهما التوبة.
واللافت للنظر أن حادثة قريب وزحاف في مصادر الإباضية مختلفة عنها في مصادر غيرهم، بل إن سياق الحادثة عند الدرجيني مباين لسياقها عند الشماخي وكلاهما إباضيان، مما يدعو إلى الظن بأن هناك خلطاً في الأمر أدى إلى التناقض - الذي يبدو من أول وهلة - المتمثل في تولي الإباضية كلاًّ من أبي بلال وقريب وزحاف، مع براءة أبي بلال منهما. وورود توبتهما يرفع هذا الإشكال، لكن اختلاف القصة في المصادر يقود إلى احتمال آخر، وهو أن ما ينسب إلى قريب وزحاف من التوبة التي ترتب عليها رضا الإباضية عنهما محتاج إلى التدقيق؛ فإننا نجد الدرجيني يسوق حادثة قريب وزحاف بنفس سياق كل من البلاذري والطبري لحادثة رجل آخر يدعى طواف بن علاق الذي لايذكره الدرجيني أصلاً، أما الشماخي فإنه يذكر طوافاً هذا بقوله: "ثم خرج طواف في جماعة فأصيبوا": (السير) جـ 1 ص60، ولا يزيد على ذلك. وواضح تماماً أن حادثة طواف بن علاق عند الطبري والبلاذري هي عين حادثة قريب وزحاف عند الدرجيني، لاسيما أن في القصة رجلاً آخر اسمه أوس بن كعب وكان مع طواف، بينما نجد في حادثة قريب وزحاف التي يرويها الدرجيني رجلاً اسمه كعب.
والخلاصة من هذا الكلام أن رضا الإباضية عن قريب وزحاف إنما هو لعدم ثبوت ما ينسب إليهما من الاستعراض أو لتوبتهما من ذلك، وإلا لو ثبت لدى الإباضية كونهما ممن يحمل فكرة الاستعراض فضلاً عن قيامهما بذلك لتبرأوا منهما كما فعل أبو بلال مرداس بن أدية التميمي.