الخوارج والحقيقة الغائبة ناصر بن سليمان بن سعيد السابعي

الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٣٢

الكفر" كان بعد فترة وجيزة جداً من رفع المصاحف ووقف القتال والاتفاق على التحكيم وهي فترة المسير من صفين إلى ما قبل الكوفة، مما يعني أن هذا الإطلاق ليس طارئاً ولا جديداً على الساحة الإسلامية، إذ لو كان كذلك لاحتاج لتبلوره إلى مدة أطول بكثير. ولذا نجد نسبة إطلاق لفظ الكفر إلى غير منكري التحكيم، كقول أحد أصحاب علي في صفين: "فإن نحن لم نؤاس جماعتنا ولم نناصح صاحبنا كفرنا"(1)، وكالذي ينسب إلى أهل العراق - وهم ممن يرى إمضاء الحكومة - لعلي حين كاد أن لا يمضي الحكومة: "أنت تريد أن نكفر بأجمعنا في غداة واحدة، فأخبرنا عنك حين رضيت حكومة الحكمين ما كنت، فإن كنت كافراً برئنا منك بالكفر ولم نشهد على أنفسنا بالكفر"(2)، وقول الأشعث بن قيس له في الموقف نفسه "نقضت عهدك وكفرت بربك"(3)، وقوله له: "إن الناس قد تحدثوا أنك رأيت الحكومة ضلالاً والإقامة عليها كفراً"(4)، وقول رجل - لعله الأشعث - لعلي "إن الناس قد تحدثوا أنك رجعت لهم عن كفرك"(5). بل إنه ينسب إلى الإمام علي نفسه استعمال مصطلح الكفر بهذا المعنى، وذلك عند شخوصه إلى البصرة، إذ قال له ابنه الحسن: "إني لأخشى أن تقتل بمضيعة"، فقال له الإمام علي: "إليك عني فوالله ما وجدت إلا قتال القوم أو الكفر بما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - "(6).

كما أن الملاحظ أن معارضي التحكيم لا يحصرون "الكفر" في مخالفيهم، فقولهم: كان ذلك منا كفراً … " عام في كل من قبل التحكيم، الأمر الذي يفيد أن الكفر لا علاقة له بالخلاف السياسي أو الفكري، بل بالخلاف الشرعي. ومعنى هذا أن المخالفة الشرعية - أي المعصية - تعد في نظرهم كفراً. وهذا مبني على أنهم يرون -كما مضى في المبحث السابق- قبول التحكيم معصية توجب على صاحبها التوبة.

(1) / الطبري (التاريخ) جـ3 ص90.

(2) / البرّادي (الجواهر) ص126.

(3) / المصدرالسابق ص126.

(4) / المبرد (الكامل) جـ3 ص1130.

(5) / الطبري (التاريخ) جـ3 ص114.

(6) / البلاذري (الأنساب) جـ3 ص303.

١٣٢ / ٤٥٢