الخوارج والحقيقة الغائبة ناصر بن سليمان بن سعيد السابعي

الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٣٣

والسؤال ها هنا: هل هناك مفاصلة بين منكري التحكيم وغيرهم في استعمال هذا المصطلح على تقديرصحة ثبوته عنهم؟ وهل هذا المصطلح – حسب استعمالهم هذا - شرعي أم لا؟

الذي ينبغي التركيز عليه ابتداءً أن الحكم بالكفر لا يقتضي – في جميع أحواله – إخراج الموصوف به من الملة الإسلامية، وحادثة(1) افتراق المحكّمة عام أربعة وستين للهجرة شاهد على ذلك، فإن نافع بن الأزرق شذ من بين المحكّمة في الحكم على المخالفين بالشرك أي الخروج من الإسلام، مع اتفاق المصادر على أمرين:

أولهما: أن أمر المحكّمة كان واحداً إلى حادث الافتراق هذا "وهم مجمعون على رأي أبي بلال"(2).

والثاني: أن نافعاً أول من ابتدع التشريك(3)، أي وصف المخالف بالشرك وهو الكفر المخرج من الملة، ولذا يقول البغدادي: "وكانت المحكّمة الأولى يقولون إنهم (أي مخالفيهم) كفرة لا مشركون"(4)، وقال أيضاً: "وما زادوا على ذلك حتى ظهرت الأزارقة منهم فزعموا أن مخالفيهم مشركون"(5).

والمتتبع لتاريخ مصطلح الكفر يجد أنه رديف للمعصية أو ارتكاب الكبيرة من الذنوب في كثير من نصوص الشرع الحنيف، ويتضح له أنه استعمل مراداً به عموم المعصية. فقتال المسلم كفر، والطعن في النسب كفر، والنياحة على الميت كفر، وهذا معنى ما ورد: "أكره الكفر في الإسلام"(6). وإذن فاستعمال معارضي التحكيم هذا

(1) / سيأتي بيانها في المبحث الرابع من الفصل الآتي.

(2) / أبو سفيان، محبوب (السير) جـ1 ص297/ أبو المؤثر (السير) جـ2 ص307/ المبرد (الكامل) جـ3 ص1203/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص398/ ابن عبد ربه (العقد) جـ2 ص95/ البسيوي (السير) جـ2 ص85.

(3) / مصادر الهامش السابق.

(4) / البغدادي (الفرق) ص83.

(5) / البغدادي (أصول الدين) ص322.

(6) / من النصوص النبوية التي ورد فيها استعمال الكفر ليعني المعصية: 1 - عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة" رواه الإمام الربيع رقم 303. 2 - عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" رواه الإمام البخاري ك الأدب باب 44 رقم 44= =3 - عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت" رواه الإمام مسلم ك الإيمان باب 30 رقم 121 (67). 4 - عن ابن عباس قال: "جاءت امرأة ثابت ابن قيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقبلي الحديقة وطلّقها تطليقة". رواه الإمام البخاري ك الطلاق باب 12 رقم 5273، 5276.

١٣٣ / ٤٥٢