الخوارج والحقيقة الغائبة ناصر بن سليمان بن سعيد السابعي

الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٥٦

الخوارج سلبي منطلق من فهم النص الشرعي - سواء حديث المروق الآتي وأحاديث الأمر بلزوم الجماعة - بأن المراد منه هذان المعنيان أحدهما أو كلاهما.

غير أننا ينبغي ألا نغفل عن أن للخوارج نظرة مختلفة تماماً عن هذه النظرة مع كونها تحمل طابعاً شرعياً أيضاً، وهي نظرة من أطلق عليهم الخوارج إلى هذا الاصطلاح، حيث تصرح عباراتهم بارتضاء هذا الإطلاق، وفيما مضى من نص عبدالله بن إباض ومن أشعار الأزارقة تجلٍّ لهذا المعنى. والافتخار والمديح الواضحان من تلك النصوص برهان على صحة القول بأن لفظ الخوارج لا يشعر في أصل معناه وابتداء أمره بشيء من الصلة بينه وبين الاصطلاح الذي يحمل حكماً سلبياً.

ولعل النظرة كانت تراعي الجانب اللغوي في المقام الأول دون إعارة اهتمام لأمر سواه، ثمّ أضفي عليه نصوص شرعية ليأخذ صبغة أكثر تألقاً، كقوله تعالى: ﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة﴾(1)، وقوله عز وجل: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾(2)، ولا يجرح في صحة هذا التخريج حديث المروق؛ فإن الخروج المأخوذ من قوله - صلى الله عليه وسلم - فيه: "يخرج فيكم" لا يعدو كونه خروجاً لغوياً، أما الحكم فمأخوذ من قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث نفسه: "يمرقون من الدين"(3).

ثم لما كثر استعمال هذا المصطلح ليدل على المروق من الدين بسبب حمل حديث المروق وغيره على من أطلق عليهم الخوارج صار أمراً قابلاً للتنازل بل داعياً إلى التخلي عنه، وبهذا نفهم سبب ثناء عبدالله بن إباض على "الخوارج" ثمّ فرار الإباضية المنسوبين إليه - اصطلاحاً- منه، يقول الشيخ السالمي: "واعلم أن اسم الخوارج كان في الزمان الأول مدحاً، لأنه جمع خارجة، وهي الطائفة التي تخرج للغزو في سبيل الله تعالى، قال عز

(1) / التوبة آية 46.

(2) / النساء آية 100.

(3) / انظر الكلام على هذا الحديث في الفصل الأول من الباب الثاني.

١٥٦ / ٤٥٢