الخوارج والحقيقة الغائبة ناصر بن سليمان بن سعيد السابعي

الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٦٣

تعالى: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً﴾(1). بيد أن نسبة الاستعراض إلى المحكّمة عامة أو انفرادهم به أو ابتدائهم فعله مسألة فيها نظر.

وينبغي - بادئ الأمر- التفرقة بين الخروج الذي كان سمة لكل من سموا بالخوارج وبين الاستعراض. فقد يوجد خروج ولا يوجد استعراض، وليس الخروج شكلاً من أشكال الاستعراض، لأن الخروج بمعنى الانقلاب -في حد ذاته- لا يهدف إلى القتل، بل إلى تغيير وضع معين، وإن كان غالباً لا يتم إلا بحد السنان. ولا مراء أن هذه النتيجة اضطرارية، لأنه إن تحقق الغرض من الخروج بغير مواجهة فلا تحل قطرة دم واحدة تسيل من نفس مؤمنة.

وملف المحكّمة في مسألة الخروج كان في أغلبه من هذا القبيل، وما كان من إراقة الدماء إنما حدث نتيجة المواجهات بينهم وبين بني أمية وأتباعهم. أما الاستعراض فكان حالات تكاد أن تكون فردية شاذة كما سيتضح. وليس في تاريخ الذين سموا بالخوارج ما يدينهم كلهم - لاسيما المحكّمة - في مسألة الاستعراض إدانة صريحة، إذ كان الأمر إما مواجهة أو انتقاماً، وكلمة عبيدالله بن زياد صريحة في ذلك: "ما أدري ما أصنع بهؤلاء الخوارج، كلما أمرت بقتل رجل منهم اغتالوا قاتله فلم يعلم بمكانه"(2).

غير أنه يمكن أن تسجل بعض حالات الاستعراض المنسوبة إليهم، منها:

أولاً: مقتل الإمام علي بن أبي طالب:

ولخبر مقتله قصة ملخصها أن ثلاثة من "الخوارج" - حسب زعم الرواية - وهم عبدالرحمن بن ملجم والبرك بن عبدالله وعمرو بن بكر التميمي اجتمعوا فاتعدوا على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص، فكان ابن ملجم لعلي والبرك لمعاوية وعمرو لعمرو، فتعاهدوا على ذلك. ولقي ابن ملجم في الكوفة امرأة تدعى قطام بنت الشجنة قتل أبوها

(1) / المائدة آية 32.

(2) / المبرد (الكامل) جـ3 ص1202.

١٦٣ / ٤٥٢