الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٦٥بينهم وبين ما فعله عبدالرحمن بن ملجم. أما الموقف الأول فكلام المسعودي: "وكثير من الخوارج لا يتولى ابن ملجم لقتله إياه غيلة"(1) يعني لقتله علياً. وهذا يعني أن قتل الإمام علي غير مرضي عند كثير من المحكّمة، ولئن جاز أن تعني هذه العبارة رضا المحكّمة أو الخوارج عن قتل ابن ملجم الإمام علياً أن لو لم يقتله غيلة فإن الموقف الثاني لا يؤيد ذلك وهو مقولة أبي سفيان محبوب بن الرحيل القرشي - من كبار علماء الإباضية في أواخر القرن الثاني الهجري - حين سئل عن عبدالرحمن بن ملجم قال: "ما سمعت أحداً يمدحه ولا يذمه وما بلغني فيه شيء" قيل: ولعل ذلك من قبل الغيلة؟ قال: لا(2).
يقول الأستاذ أحمد السيابي: "عبدالرحمن بن ملجم شخص أقحم في المحكّمة أو أهل النهروان إقحاماً وزج به في أوساطهم زجّاً مع أنه مجهول في صفوفهم … وقول هذا الإمام الجليل (لم أجد من أصحابنا من يمدحه) لأنه ليس منهم ولا متصل بهم (ولا من يذمه) لترفعهم وتنزههم عن السب والشتم"(3).
ولا ريب أن أبا سفيان لا يعني بقوله: "ما سمعت أحداً" كل من ينسب إلى الخوارج، لما جاء عن عمران بن حطان الصفري من مدح ابن ملجم كما سيأتي، ولكن بناءً على اعتبار الإباضية الخط المعتدل الذي يمثل كل المحكّمة قبل الافتراق –كما سيأتي في المبحث الآتي - فيمكن أن يحمل كلام أبي سفيان على أنه يريد كل تيار المحكّمة وكل الإباضية. والخلاصة من هذا أن المحكّمة قبل الافتراق عام أربعة وستين من الهجرة بالإضافة إلى الإباضية الممثلين للثبات على تيار المحكّمة وكثيراً من غيرهم ممن ينسب إلى الخوارج غير راضين عن مقتل الإمام علي.
إن ذينك النصين وهذه الملاحظات تدعو إلى التحقق من كون ابن ملجم مدفوعاً من قبل بقايا أهل النهروان إلى قتل علي، وفي أحداث القصة ما لا يسعف على كونه كذلك، فإن الواضح أن ذلك اختيار ثلاثة أشخاص، واحد منهم فقط كان من أهل
(1) / المسعودي (التنبيه والإشراف) ص273.
(2) / البرّادي (الجواهر) ص145.
(3) / الشماخي (السير) جـ1 ص54، تعليق السيابي هامش (1).