الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٧٢من الروايات ما يفيد أن الأشعث لم يكن منقاداً لمعاوية حتى رفع المصاحف، فقد بعث معاوية أثناء معركة صفين عتبة بن أبي سفيان إلى الأشعث قائلاً له: "أَلِنْ إلى الأشعث كلاماً فإنه إن رضي بالصلح رضيت به العامة" فلما كلمه كان جواب الأشعث: "يا عتبة، أما قولك إن معاوية لا يلقى إلا عليّاً فلو لقيني ما زاد ولا عظم في عيني ولا صغرت عنه، ولئن أحب أن أجمع بينه وبين علي لأفعلن، وأما قولك: إني رأس أهل العراق وسيد أهل اليمن، فالرأس الأمير والسيد المطاع، وهاتان لعلي، وأما ما سلف إلي من عثمان فوالله ما زادني صهره شرفاً ولا عمله غنى، وأما عيبك أصحابي فإن هذا الأمر لا يقربك مني، وأما محاماتي عن العراق فمن نزل بيننا حميناه وأما البقية فلسنا بأحوج إليها منكم"(1).
والظاهر أن معاوية كان يلاحق الأشعث ابتداءً من عزله عن أذربيجان، ونجاحه متوقع، لكن ليس قبل ظهور ضعف جانب الإمام علي الذي بدأ بانفصال أهل حروراء عنه أو بقضاء علي على أهل النهروان أخلص أصحابه لقضيته، هنالك تكون الصلة أكثر احتمالية ومعقولية.
وأما نفي فلهوزن هذه الصلة - مطلقاً - اعتماداً على أن الأشعث لم ينل مالاً(2) - حسبما فهم - فكلام لا وزن له، إذ إن السيادة عند مثل هذه الشخصيات لا تقدر بمال، ولذا فإن الأشعث كان يستعمل سلطته أحياناً على الإمام علي، فقد هدده - مثلاً- بالانسحاب عنه في صفين إن لم يقبل مطالب أهل الشام(3).
وإذن فمن الطبيعي أن ينصرف الأشعث عن علي بعد النهروان حين يرى ضعف علي ويقبل بوجهه على من يرى أن المستقبل لأجله.
ولا يستلزم الأمر عناءً عند البحث عن المستفيد الحقيقي من إزاحة علي عن ساحة الحكم، وإلا فلأي شيء جرد معاوية ومعه جموع أهل الشام سيوفهم في صفين.
(1) ابن قتيبة (الإمامة والسياسة) (منسوب) ص102،103
(2) فلهوزن (الخوارج والشيعة) ص30
(3) ابن قتيبة (الإمامة والسياسة) (منسوب) ص111