الخوارج والحقيقة الغائبة ناصر بن سليمان بن سعيد السابعي

الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٨٤

في أمور برئا منه عليها جميعاً"(1). وعليه يكون معنى وصف ابن صفار نافع بن الأزرق بالغلو لأجل قطعه العذر في القعود وإيجابه القتال، ومعنى وصفه ابن إباض بالتقصير لعدم حكمه على المخالفين بالشرك، وعلى هذا يكون رأي الصفرية كرأي النجدات، ويكون التمييز بينهما تمييز نسبة لا غير. والذي يؤيد هذا أن ينسب إلى الصفرية عين ما ينسب إلى النجدات من إباحتهم المناكحة والموارثة بينهم وبين مخالفيهم، وأكل ذبائحهم(2)، وعدم قتل الأطفال والنساء(3)، وعذر القعدة(4).

وتضيف بعض المصادر أن الصفرية أجازوا أيضاً الصلاة وراء مخالفيهم والحج معهم(5).

د- الإباضية:

وهم المنسوبون إلى عبدالله بن إباض التميمي(6)، وكان ممن شارك مع أصحابه في

الذب عن الكعبة ثمّ عاد إلى البصرة(7)، وسجنه ابن زياد(8)

(1) أبو المؤثر (السير) جـ2 ص307.

(2) أبو عمار (الموجز) جـ2 ص116.

(3) البغدادي (الفرق) ص91.

(4) الشهرستاني (الملل) جـ1 ص137.

(5) أبو عمار (الموجز) جـ2 ص116.

(6) نسبة الإباضية إلى عبدالله بن إباض إنما هي نسبة اصطلاحية فحسب، وإلا فإن نسبتهم –في الواقع – إلى الإمام جابر بن زيد الأزدي أبي الشعثاء صاحب ابن عباس، وهذا الذي أطبقت عليه كلمة الإباضية. وإنما نسبوا إلى ابن إباض بالنظر إلى مواقفه السياسية البارزة، ومنها رسالته إلى عبدالملك بن مروان، ومنها هذه الحادثة التي خالف فيها نافع ابن الأزرق وأصحابه. على أن مخالفة ابن إباض لنافع لا تعني أن عبدالله رسم بفعله هذا منهج الإباضية، لأن دوره هاهنا إنما هو إبراز الرأي لا إنشاؤه. والمراد أن عبدالله بن إباض واحد من الذين ثبتوا على المنهج المعتدل الذي سار عليه أهل النهروان وتتابع عليه الإباضية فيما بعد. وأيضاً فإن علاقة جابر بن زيد بأبي بلال مرداس كانت قبل ظهور عبدالله ابن إباض ومخالفته لنافع، إذ كان جابر صديقاً حميماً لأبي بلال المقتول عام 59هـ كما تقدم، مما يعني وضوح الرؤية لجابر وأصحابه قبل حادثة نافع. وهذا بدوره يدفع بنا إلى القول بأن تبني عبدالله بن إباض لرأيه الذي خالف به نافع بن الأزرق لم يكن وليد تلك الساعة، بل كانت تلك الحادثة بمثابة امتحان لعبدالله بن إباض، هل يتطرف كما فعل نافع وصاحباه؟ أم يثبت على منهج الاعتدال كنظرائه جابر بن زيد ومن معه؟ وهذا ما فعله حقاً.

والخلاصة أن جابر بن زيد هو الإمام المنظر للإباضية، وكتب الإباضية طافحة برواياته وأقواله الفقهية وآرائه السياسية وسيرته الذاتية مما لم يتسن من ذلك شيء لعبدالله بن إباض سوى الإشادة به والثناء عليه وكونه من كبار دعاتهم. ومسألة إمامة جابر بن زيد للإباضية - فضلاً عن مجرد انتمائه إليهم - لم تعد قابلة للأخذ والرد، نظراًً لتضافر الأدلة على صحتها.

لمزيد من التفصيل، انظر: خليفات (نشأة الحركة الإباضية) ص92 - 97 / هاشم (الحركة الإباضية في المشرق العربي) ص45 - 55/ أبو داود، سامي (الإمام جابر بن زيد) ص42 - 48 (رسالة ماجستير).

(7) الطبري (التاريخ) جـ3 ص398.

(8) البلاذري (الأنساب) جـ6ص13.

١٨٤ / ٤٥٢