الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٨٦وأما اعتزال من سبق على زمن الافتراق كخروج أبي بلال إلى آسك فليس من باب الهجرة التي دان بها نافع بن الأزرق كما ظن د. نايف معروف(1)، فإن كلام مرداس صريح في أن فعله هذا فرار بدينه، فقد لقيه عبدالله بن رباح الأنصاري - وكان له صديقاً- فسأله: أين تريد؟ قال: "أريد أهرب بديني ودين أصحابي هؤلاء من أحكام الجورة والظلمة"(2)، ولذلك قال ابن حجر في شرح حديث "يهلك الناس هذا الحي من قريش" قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "لو أن الناس اعتزلوهم" قال ابن حجر: "يؤخذ من هذا الحديث استحباب هجران البلدة التي يقع فها إظهار المعصية، فإنها سبب وقوع الفتن التي ينشأ عنها عموم الهلاك، قال ابن وهب عن مالك: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهاراً، وقد صنع ذلك جماعة من السلف"(3).
وما مضى من أن "جميع أصناف الخوارج أجمعوا على تشريك أهل القبلة واستحلال سبي ذراريهم وغنيمة أموالهم"(4)، يؤكد ما تقرر سابقاً من حصر الخوارج فيمن قال بتشريك مخالفيهم أو محاربيهم. وإذن فالإباضية على هذا المعيار ليسوا من الخوارج، والسبب الذي من أجله عدهم البعض من الخوارج -كما يظهر- هو اتفاقهم جميعاً على الآراء التي تقدم ذكرها في مبحث آراء الخوارج عدا التشريك والاستعراض. ولعل قول الإباضية بكفر مرتكب الكبيرة يعنون به كفر النعمة لبس على غيرهم فزج بهم في عداد الخوارج لعدم التفريق عند من جعلهم منهم بين الكفر والشرك والتكفير والتشريك.
يقول الشيخ السالمي وهو من علماء الإباضية:
والكفر قسمان جحود ونِعَمْ … وبالنفاق الثانِ منهما وُسِمْ
(1) معروف، نايف (الخوارج في العصر الأموي) ص198.
(2) ابن عبد ربه (العقد الفريد) جـ2 ص98، 99.
(3) ابن حجر (فتح الباري) جـ14 ص500، شرح حديث رقم7058.
(4) البسيوي (السير) جـ2 ص26.