الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣١٤هذا، وقد سبق الكلام في إشكالية اتهام أهل النهروان بقتل عبدالله بن خباب. ولا ريب أن المناظرة هنالم تذكر كاملة، بل ذكر الراوي جزءاً منها، أو هو جانب مما دار من النقاش في قضية التحكيم، فإنه سبق القول إن المناظرة جرت بينهم وبين ابن عباس، مع احتمال أن يكون ثمة أكثر من حوار في الموضوع، كما سلف القول إن من الروايات ما ينسب الحوار إلى الإمام علي. على أن عدم اشتمال بعض الروايات على جواب أهل حروراء لا يعني عدم وروده، كما لا يعني ذلك صحة موقف الراضين بالتحكيم. ولعل الذين ناقشهم الإمام علي غير الذين ناقشهم ابن عباس كما هو صريح هذه الرواية، وإذا عجز أولئك عن الجواب لقلة علمهم أو لأي سبب آخر فإن هؤلاء لم يعجزوا كما تم تقريره، وهذا يؤكد ما وصفوا به من البصيرة وكونهم من القراء الفقهاء، وقد تقدم ذكر كلام ابن عباس لأحد الذين ناقشوه:" إني أراك قارئاً للقرآن عالماً بما قد فصلت ووصلت"(1). ولا ينافي هذا ما في هذه الرواية من أنه رجع الكوفة منهم أربعة آلاف كلهم تائب، فإنه يعبر عن تصور الراوي لدخولهم الكوفة على أنه توبة منهم، والحقيقة أنهم دخلوها إثر الوئام بينهم وبين الإمام علي كما مر.
وأما قول الراوي: "فبعث علي رضي الله عنه إلى بقيتهم فقال: قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم فقفوا حيث شئتم حتى تجتمع أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، بيننا وبينكم أن لا تسفكوا دما حراما أو تقطعوا سبيلاً أو تظلموا ذمة فإنكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء إن الله لا يحب الخائنين" فأثر الاقتضاب فيه واضح، فإن هذا كان بعد دخولهم الكوفة، ذلك أنهم دخلوها جميعاً، وقد تقدم بيان ذلك.
وأما قول الإمام علي: "صدق الله ورسوله" بمعنى التعجب فله شواهد أخرى تؤيده، فقد روى الإمام أحمد عن أبي حسان، أن علياً رضي الله عنه كان يأمر بالأمر فيؤتى فيقال: قد فعلنا كذا وكذا، فيقول: صدق الله ورسوله.
(1) ابن أبي شيبة (المصنف) جـ 15 ص 300.