الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٤١ثالثاً: أن ذا الثدية نافعاً كان ظاهراً في أيام حياة الإمام علي كما سبق، فإذا كان علي - حسب هذه الروايات - مأموراً بقتله، أو كان في قتله صلاح الأمة وتوحيد كلمتها، فلم تركه ولم يقتله؟!
على أن قتله في النهروان بعد ذلك ليس محققاً هذا الغرض، لأن معركة النهروان لم تجر أصلاً لوجود ذي الثدية فيهم، بل إما بسبب اتهام الإمام علي أهلَ النهروان بقتل عبدالله بن خباب، أو بسبب ضغط الأشعث بن قيس رئيس اليمانية على الإمام علي للتخلص من أهل النهروان، أو بسبب خلعهم الإمام علياً.
هذا وقد جعل ابن حجر هذا الرجل هو ذا الخويصرة الذي قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: اعدل، وجعل قصته في هذا الحديث متأخرة عن قصته في حديث المروق(1). غير أن اتحاد الرجل في القصتين يتنافى مع عدم معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - إياه: "فذكرناه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يعرفه، ووصفناه بصفته فلم يعرفه".
علاوة على ذلك فإن ظاهر أمر ذي الخويصرة أنه جلف لا يفقه شيئاً من الدين، مما يستبعد والحال هذه أن يوصف بكثرة العبادة وحسن السمت.
كل هذا على افتراض صحة كل أحداث هذه القصة، إلا أن هناك إشكالات تتمثل فيما يلي:
الأول: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل رجل متعبد بدون سبب ظاهر للناس.
وقد ورد في بعض أحداث القصة أنه أقبل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما دنا الرجل سلم فرد - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنشدك بالله هل حدثت نفسك حين طلعت علينا أن ليس في القوم أحد أفضل منك؟ " قال: اللهم نعم، ثم أمر بقتله.
وعبادة هذا الرجل وصلاحه الظاهر لا يجديان مع سوء باطنه وخبث طويته، يقول شبيب بن عطية: "وأما الفتى الذي ذكروه فالله ورسوله أعلم بالغيب في أمر الفتى، وحق
(1) ابن حجر (فتح الباري) جـ14 ص306.