الخوارج والحقيقة الغائبة ناصر بن سليمان بن سعيد السابعي

الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٤٣

التشكيك في هذه الحادثة فقال: "ما أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أطوع لله ولرسوله ولا أمضى مقدماً على تنفيذ أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من أبي بكر وعمر"(1).

إلا أن الحافظ ابن حجر وجه امتناع كل من أبي بكر وعمر بقوله: "وكأن أبا بكر وعمر تمسكا بالنهي الأول عن قتل المصلين وحملا الأمر هنا على قيد أن لا يكون يصلي فلذلك عللا عدم القتل بوجود الصلاة أو غلباً جانب النهي"(2).

وهذا الجواب في الحقيقة لا يشفي الغليل، فإن فهم الشيخين أبي بكر وعمر أرقى من ذلك، ولا يمكن أن يخفى عليهما جميعاً التوفيق بين نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن قتل المصلين وأمره إياهما بقتل هذا الرجل، ولئن اتفق ذلك لأبي بكر حيث وجد الرجل يصلي فما عذر عمر في عدم الامتثال. على أن عمر هو الذي طلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل ذي الخويصرة، وبناءً على دعوى ابن حجر أن الرجل في القصتين واحد وأن هذا الحادثة متأخرة عن تلك فإن دافع عمر على قتله يكون أقوى.

هذا، وقد اتخذ شرف الدين الموسوي هذا الحديث متكأً للقدح في أبي بكر وعمر فقال: "على أن الأحاديث صريحة بأنهما (يعني أبا بكر وعمر) لم يحجما عن قتله إلا كراهة أن يقتلاه وهو على تلك الحال من التخشع في الصلاة لا لشيء آخر، فلم يطيبا نفساً بما طابت به نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يرجحا ما أمرهما به من قتله، فالقضية من الشواهد على أنهم كانوا يؤثرون العمل برأيهم على التعبد بنصه كما ترى"(3).

وأما إن كانت الحادثة قد وقعت حسبما نقل ابن حجر من "مغازي الأموي" من مرسل الشعبي بنحو أصل قصة ذي الخويصرة، ثم دعا رجالاً فأعطاهم فقام رجل فقال: إنك لتقسم وما نرى عدلاً، قال: إذاً لا يعدل أحد بعدي، ثم دعا أبا بكر فقال: "اذهب

(1) ابن عطية (السير) جـ2 ص367.

(2) ابن حجر (فتح الباري) جـ14 ص306.

(3) الموسوي (المراجعات) ص326.

٣٤٣ / ٤٥٢