الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤١١18 - حديث "الخوارج كلاب النار" لا يصح رفعه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والأقرب أنه موقوف على أبي أمامة الباهلي صُدَيّ بن عَجْلان.
هذا، وقد تجلى للقارئ الكريم أن أهل النهروان ومعارضي التحكيم الذين قيل عنهم ما قيل طوال القرون الغابرة، والذين طالما شوهت حقيقتهم ونالهم من ظلم الفرق الأخرى ومن حيف كثير من المؤرخين والكتاب الشيء الكثير، كانوا – في الحقيقة - طلاب حق أصابوه، وإن قيل عنهم غير ذلك، بل كانوا هم أصحاب الرأي الحازم والنظرة النافذة في أعماق الأحداث، وقد جرت الأمور على ما توقعوه، والمتأمل في المجريات التاريخية يتبين له صدق هذه النتيجة. ولا غرابة في ذلك، فقد كانوا من أهل الفضل والعلم، وكان فيهم جملة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل تدل بعض الروايات على أن فيهم السن الأول من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أي الأقدمين منهم. كما وصفوا بأنهم أصحاب البرانس والسواري، وفي ذلك دلالة واضحة على اتصافهم بنعوت الخير والتقى والزهد في الحياة، ووصفوا بالقراء الذي كان لقباً للعلماء والفقهاء يومئذ، وقد تقدم عن ابن عباس ما يكفي للتأكيد على صحة هذا الوصف، فقد قال لعتاب بن الأعور التغلبي - أحد معارضي التحكيم - كما سبق إحالته إلى ابن أبي شيبة في مصنفه: "إني أراك قارئاً للقرآن، عالماً بما قد فصلت ووصلت"، الأمر الذي دعا راوي القصة - وهو كليب بن شهاب الجرمي- إلى وصفه بقوله: "كأنما ينزع بحاجته من القرآن في سورة واحدة". إضافة إلى ما سبق ذكره من الأمور الأخرى التي تشهد لقوة ما صاروا إليه في مسألة التحكيم.
وبناءً عليه فلا مجال لقبول تأويل حديث المروق الصحيح أو غيره فيهم. وقد بان جلياً أن حديث المخدج الذي يقتضي أن يراد به أهل النهروان غير ثابت، بل حكمت عليه السيدة عائشة رضي الله عنها بأنه مكذوب على النبي - صلى الله عليه وسلم - حسبما تقدم ذكره وذكر النقاش فيه.