الخوارج والحقيقة الغائبة ناصر بن سليمان بن سعيد السابعي

الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٩

هذا الحكم القدر الكبير مما تعزوه هذه الكتب إلى الفرق المنسوبة إلى الخوارج لا سيما ما كان غير مدون في كتب أصحابها أو كانت كتبها مفقودة، مالم يتم التحقق منها بوجه من الوجوه أو لم يكن سبب لرفضه.

وقد تنبه أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (ت312 أو 324هـ / 933، 946م) إلى ظاهرة الخلط والانتحال التي انتشرت عدواها في العدد الأوفر من كتب المقالات، فأكد ذلك بقوله:"ورأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات، ويصنفون في النحل والديانات، من بين مقصر فيما يحكيه، وغالط فيما يذكره من قول مخالفيه، ومن بين متعمد للكذب في الحكاية إرادة التشنيع على من يخالفه، ومن بين تارك للتقصي في روايته لما يرويه من اختلاف المختلفين، ومن بين من يضيف إلى قول مخالفيه ما يظن أن الحجة تلزمهم به، وليس هذا سبيل الربانيين ولا سبيل الفطناء المميزين"(1).

ويضيف الرازي: "كتاب (الملل والنحل) للشهرستاني كتاب حكى فيه مذاهب أهل العلم بزعمه، إلا أنه غير معتمد عليه، لأنه نقل المذاهب الإسلامية من الكتاب المسمى (الفرق بين الفرق) من تأليف الأستاذ أبي منصور البغدادي، وهذا الأستاذ شديد التعصب على المخالفين فلا يكاد ينقل مذهبهم على الوجه".

وسوف تقتصر الدراسة على الحديث عن أهم المؤلفات في هذا المجال، وبيان المواضع التي تبرز فيها تلك الظاهرة مما له علاقة بموضوع الرسالة.

1 - "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين " لأبي الحسن الأشعري:

بالنظر إلى سائر كتب المقالات يعتبر هذا الكتاب من أجودها. ويبدو أن مؤلفه حاول أن يتحاشى المآخذ على غيره، ولذلك نجده في أحيان غير قليلة يلقي العهدة على الناقل، حيث يعبر بصيغة الحكاية "يقال" و"حكي"، كما يصرح بمصادره في أحيان كثيرة، إذ نقل عن كل من زرقان(2) والحسين بن علي الكرابيسي (ت 248هـ /

(1) / الأشعري (المقالات) جـ1 ص33.

(2) / لم أجد أحداً بهذا الاسم سوى زرقان بن محمد الصوفي، انظر: بدران (تهذيب تاريخ دمشق) جـ5 ص377، قال: "كان بجبل لبنان من ساحل دمشق، وكان مؤاخياً لذي النون المصري". وذو النون هو ثوبان بن إبراهيم (ت 245هـ) وعليه فالفترة التي عاشها زرقان الصوفي هي الفترة التي عاشها زرقان الذي روى عنه الأشعري، وليس بين يدي من الدلائل ما

٤٩ / ٤٥٢