الخوارج والحقيقة الغائبة ناصر بن سليمان بن سعيد السابعي

الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٩٠

- أن محو اسم الإمارة عن الإمام علي لا يخلعه منها اقتداء بما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلح الحديبية حين رفض المشركون كتابة اسم الرسالة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في وثيقة الصلح، فمحاه - صلى الله عليه وسلم -(1).

وإلى هنا تتوقف بعض الروايات لتخلص من ذلك إلى أن قسماً من أهل حروراء رجعوا إلى الكوفة تائبين.

بيد أن القسم الآخر من الروايات يبين أن أهل حروراء نقضوا على ابن عباس ردوده تلك بما يلي:

- أن ما جعل الله حكمه إلى العباد فلهم ذلك، وأما ما حكم الله فيه فليس لهم أن ينظروا فيه، فقد حكم في الزاني مائة جلدة وفي السارق بقطع يده فليس للعباد أن ينظروا في ذلك، وقد أمضى الله حكمه في معاوية وأصحابه أن يقاتلوا حتى يرجعوا وقد دُعوا إلى حكم الكتاب قبل الحرب فأبوه. كما أن الحَكَمَ من شرطه أن يكون عدلاً، وليس عمرو ابن العاص - بناء على سفكه دماء أصحاب علي - عدلاً، كما أن أبا موسى كان يثبط

(1) / مسلم (الصحيح) ك الجهاد والسير باب (34) رقم 1783، 1784. وروى النسائي في "الكبرى" عن علقمة بن قيس قال: قلت لعلي: تجعل بينك وبين ابن آكلة الأكباد حكماً؟ قال: إني كنت كاتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية فكتب:"هذا ما صالح عليه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو "، فقال سهيل: لو علمنا أنه رسول الله ما قاتلناه، امحها، فقلت: هو والله رسول الله وإن رغم أنفك، لا والله لا أمحوها، فقال رسول الله: "أرني مكانها"، فأريته فمحاها، وقال: "أما إن لك مثلها، ستأتيها وأنت مضطر".

وهذا الحديث بهذه الزيادة منكر لا يصح، فمن جهة السند فيه عمرو بن هاشم أبو مالك الجَنْبِي الكوفي، وهو ضعيف، قال عنه ابن حجر في (التقريب) ص 427 رقم 5126: "لين الحديث، أفرط فيه ابن حبان، من التاسعة"، وفيه محمد بن إسحاق بن يسار، وهو"صدوق يدلس، ورمي بالتشيع والقدر"، انظر: (التقريب) ص 467 رقم 5725، وقد عنعن هاهنا. ومن جهة المتن فهو مخالف للأحاديث الأخرى التي روت قصة الحديبية بدون زيادة "أما إن لك مثلها، ستأتيها وأنت مضطر"، ولكل الروايات الواردة في المناظرة والمناقشات في أمر الحكمين، إذ لا توجد رواية اشتملت على مثل هذه الزيادة، إلا واحدة عند المبرد في (الكامل). على أن البلاذري روى في (الأنساب) جـ 3 ص110 عن علقمة بن قيس نفسه قال: قلت لعلي: أتقاضي معاوية على أن يحكم حكمان؟ فقال: ما أصنع؟ أنا مضطهد، وليس فيها تلك الزيادة. فالظاهر أن قول الإمام علي: "أنا مضطهد"-إن صح - استحال حديثاً نبوياً يتذرع به إلى صحة ما صار إليه الإمام علي من قبول التحكيم حتى يكون من دلائل النبوة، فإن في جملة "أما إن لك مثلها" إشارة واضحة إلى سلامة الموقف في قبول التحكيم.

٩٠ / ٤٥٢