الخوارج والحقيقة الغائبة ناصر بن سليمان بن سعيد السابعي

الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٩٣

جيش علي في مسيره إلى البصرة(1)، وكان على الميسرة في صفين(2)، ولهذا عقّب الإمام علي على ابن عباس بقوله: "أو ابن عباس لم يشركنا في هذه الدماء"(3). وعليه فمن المستبعد أن يحمل ابن عباس عليّاً مسؤولية دم أحد من المسلمين في الجمل وصفين، اللهم إلا أن يحمل ذلك على قتاله أهل النهروان. ويؤيده عدم اشتراك ابن عباس مع علي في قتاله إياهم(4)، وهذا ما يؤكده قول ابن عباس لعلي: "إن لم أكن معهم لم أكن عليهم"(5).

هذا وواضح من خلال هذه النصوص أن الخلاف بين علي وابن عباس ليس فقط في مسألة بيت مال البصرة، بل هو خلاف على قتاله أهل النهروان، فإنه نصحه بالكف عنهم(6). ونجد الشماخي ينقل عن ابن عباس قوله "أصاب أهل النهروان السبيل"(7).

وبناء على كل ما تقدم يتضح أن ما ينسب إلى ابن عباس من تغلبه على أهل حروراء أمر بعيد. وهذا الذي ذهب إليه ابن أبي الحديد، لكنه زعم أن السبب في ذلك مخالفة عبدالله بن عباس وصية علي له بألا يخاصمهم بالقرآن وأن يخاصمهم بالسنة، يقول ابن أبي الحديد: "فإن قلت: فهل حاجهم بوصيته؟ قلت: لا، بل حاجهم بالقرآن، مثل قوله: ﴿فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها﴾، وقوله في صيد المحرم: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾، ولذلك لم يرجعوا والتحمت الحرب، وإنما رجع باحتجاجه نفر منهم"(8).

(1) / الطبري (التاريخ) جـ3 ص24.

(2) / البلاذري (الأنساب) جـ3 ص85/ الطبري (التاريخ) جـ3 ص24.

(3) / البلاذري (الأنساب) جـ2 ص398.

(4) / ينفرد ابن عبد البر (الاستيعاب) جـ3 ص939 بالقول بأن ابن عباس شهد مع علي النهروان، وهذا ما لا يذكره أي مصدر آخر، والذي يرده أن ابن عباس كان في البصرة عند انعطاف علي من النخيلة إلى النهروان، انظر: الطبري (التاريخ) جـ3 ص117.

(5) / ابن غيلان (السير) ورقة 161ظ (مخطوط) / أبو قحطان (السير) جـ1 ص107/ القلهاتي (الكشف) جـ2 ص250.

(6) / ابن غيلان (السير) ورقة 161ظ (مخطوط) / القلهاتي (الكشف) جـ2 ص251.

(7) / الشماخي (السير) جـ1 ص89.

(8) / ابن أبي الحديد (شرح النهج) جـ18 ص72. وتمام قول ابن أبي الحديد: فإن قلت: فما هي السنة التي أمره أن= =يحاجهم بها؟ قلت: .... (علي مع الحق والحق مع علي، يدور معه حيثما دار) وقوله: (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله). وهذان الحديثان على فرض التسليم بصحتهما فإن الإمام علياً نفسه لم يحتج بهما على منكري التحكيم لمّا قدم عليهم في حروراء.

٩٣ / ٤٥٢