الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٩٥﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها﴾(1)
﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾
وواضح أن الحكم في الآية الأولى - التي في سورة النساء - منوط بالحكمين، إذ أُوكل إليهما النظر فيما يصلح بين الزوجين وإصدار الحكم المناسب. أما الآية الثانية - التي في سورة الحجرات - فإن الحكم فيها جلي وهو الأمر بالقتال حتى تفيء الطائفة الباغية إلى أمر الله، أي تعلن الاستسلام. وبهذا يتضح أن الاجتهاد هاهنا اجتهاد مع ورود النص(2).
(
2 - أن تحكيم العدلين إنما هو في أمر لم ينص على حكمه، أما ما وضع له الشارع حدّاً فلا يجوز تعديه ولا الوقوف دونه. ويشرح ذلك أبو المؤثر قائلاً: " … وقلنا لهم: أرأيتم لو أن إماماً رفع إليه عشرون رجلاً قد وجب عليهم الرجم بما صحت به عليهم البينة من الزنى والإحصان أليس قد أمر الله برجمهم؟ فإن قالوا نعم قلنا لهم: أرأيتم إن قال لهم الزناة إنا ندعوكم إلى أن نحكّم منا حكماً زانياً وتحكم من أصحابك حكماً، فما حكما به علينا وعليك سلمنا نحن وأنت له، أكان يحل للإمام انتظارهم وتحريم رجمهم حتى يحكم هذان الحكمان حتى يعرف أمرهما؟ فإن قالوا: لا، لأن الله أمر برجمهم فلا يحل له ترك ذلك منهم، قلنا لهم: وكذلك علي أمره الله بقتالهم فلا يحل له ترك ذلك ولا تحريمه منهم حتى يفيئوا إلى أمر الله ولا يحكّم أحداً منهم ولا فيهم بعد أن فرق الله بينه وبينهم"(3).
3 - الحكم الذي نصت عليه الآية الكريمة هو قتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله، ويؤكد أهل حروراء أن قتال علي لأهل الشام كان امتثالاً لكتاب الله وأنهم قاتلوا معه بما يوجبه عليهم حق الطاعة كقولهم: "وقد قتلت في طاعتك قتلانا يوم الجمل وصفين"(4)،
(1) / سورة النساء، آية 35.
(2) / أبو عمار (الموجز) جـ2 ص 253، 354.
(3) / أبو المؤثر (السير) جـ2 ص36.
(4) / البلاذري (الأنساب) جـ3 ص 127.