السنة والحديث: قراءة في تراث المدرسة الجابرية خالد بن مبارك الوهيبي

السنة والحديث، قراءة في تراث المدرسة الجابرية... لخالد الوهيبي

الجزء ١ · صفحة ٥٢

رغم تفرد مدرسة أهل الحديث بوضع مناهج الجرح والتعديل (=الإسناد) إلا أنه كتب لها الذيوع والانتشار بين المدارس الإسلامية الأخرى كمدارس الرأي بفعل عوامل سياسية وعلمية[11]، وأما ما قدمته المدارس الأخرى فقد طوته أيادي النسيان، وصار من تراث الماضي، فمثلاً ما قاله الجاحظ (ولو كانوا يروون الأمور مع عللها وبرهاناتها خفت المؤونة، ولكن أكثر الروايات مجردة، وقد اقتصروا على ظاهر اللفظ دون حكاية العلة ودون الإخبار عن البرهان)[12] ضاع أدراج الرياح مقابل كلام يحيى بن سعيد القطان (لا تنظروا إلى الحديث، ولكن انظروا إلى الإسناد فإن صح الإسناد وإلا فلا تغتروا بالحديث إذا لم يصح الإسناد)[13].

ولكن مع هذا وجدت هناك مراجعات مبكرة جداً لمنهج الجرح والتعديل تجدها (=رغم إهمالها) مبثوثة هنا وهناك، دعونا نستعرضها ونحاول تحليلها:

(1) قال أبو غانم في المدونة: (قلت لأبي المؤرج: إن هؤلاء يقولون ويروون عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: هذا بحر وتحته سبعة أبحر، وتحتها النيران، وكان ينهى عن الوضوء والاغتسال بماء البحر، وكان يقول: لأن أتيمم أحب إليّ من أن أغتسل من ماء البحر.

قال أبو المؤرج: لسنا نأخذ بهذا من حديث ابن عمر، وقد كان أبوه أمير المؤمنين رحمة الله عليه يقول بخلاف هذا القول، ويجيز الوضوء بماء البحر والاغتسال به من الجنابة)[14].

· في هذا النص يؤكد الفقيه الإباضي أبو المؤرج على ضرورة تمحيص ما يروى، حتى ولو كان ثابتاً من جهة الإسناد عن كبار الصحابة كابن عمر، وفي جرأة وصراحة يقول: "لسنا نأخذ بهذا من حديث ابن عمر".

(2) قال أبو غانم في المدونة: (سألت أبا المؤرج: هل في الصلاة قنوت؟.

قال: حدثني أبو عبيدة أنه سأل جابر بن زيد عن ذلك فقال: الصلاة كلها قنوت، قال الله تبارك وتعالى: "أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً" فالصلاة كلها قنوت.

٥٢ / ٧٧