ج1 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ١ · صفحة ١٨٥فيه شيئا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أرجع إليه فأسأله، فعلم أن بيان ذلك قد تأخر، وأيضا فإنه قد وردت أخبار مستفيضة عنه صلى الله عليه وسلم في بيان آيات من القرآن، والمستفيض إنما يستفيض بعد مدة، وفي ذلك تأخير بيانها عنها، احتج القائلون بمنع تأخير البيان مطلقا بأن تأخير البيان يؤدي إلى العبث حيث أن مجمل خطاب بما لا يفهم، احتج المجوزون للتأخير في الأوامر، والنواهي، دون الإخبار بأن الأوامر والنواهي إنشاءات لا تحمل سامعها على اعتقاد جهل، فجاز الخطاب بها، وإن لم تبين بخلاف الإخبار، فإن السامع إذا أخبر بعموم مثلا اعتقد شموله فيكون ذلك إغراء بالجهل، والجواب عن حجة الأولين إنا لا نسلم أن الخطاب بالمجمل غير مبين عبث، وقد قدمنا وجه فائدة الخطاب به وعن حجة الآخرين أن المجمل في الإنشاآت والأخبار سواء وليس في وروده في شيء منها إغراء بالجهل، ولا تساوي بين التخصيص في الإخبار، والبيان في المجمل لما قدمنا أن الخبر لا يخصص إلا بمتصل أو بما هو في حكم المتصل.
واعلم أن أكثر القائلين بجواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة جوزوا تأخير المخصص إلى وقتها أيضا، وهو الذي ذهب إليه البدر رحمه الله تعالى، وإن المانعين من تأخير البيان مطلقا قالوا بمنع تأخير التخصيص، قالوا لأن العموم إذا ورد غير مخصص، وكان المراد منه التخصيص أفضى ذلك إلى التلبيس على السامع، والشرع على خلاف ذلك وذهب أبو الحسن الكرخي، وبعض الشافعية، إلى الفرق بين تأخير البيان، وتأخير التخصيص، فجوزوا تأخير البيان دون تأخير التخصيص واختاره صاحب المنهاج، وحجتهم في منع تأخير التخصيص هي حجة الأولين في حصول التلبيس على السامع ونحن لا نسلم أنه تلبيس بل نقول: إنه مأمور بمقتضى العموم بحسب الظاهر فإن كان المراد من العموم بعضه فلا يشرع المكلف في العمل إلا والمخصص وارد عليه، فإن تأخر المخصص حتى عمل بالعموم