ج1 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ١ · صفحة ٢١٤الحقيقي عن الخاص.
وأجيب عن هذا الاستشكال: بأن الخاص من حيث هو خاص مقيد، ومعناه الحقيقي مطلق، ولا امتناع في سلب المطلق عن المقيد بمعنى أنه ليس عين المقيد، ومن أحكام المجاز أيضا أنه يجوز التمسك به، ويصح الأخذ بمدلوله، بل يجب ذلك إذا قامت على إرادته، وإن كانت الحقيقة في اللفظ ممكنة أي إذا دلت القرينة على أن المراد من هذا اللفظ معناه المجازي، وجب التمسك به في ذلك المعنى، وإن كان المعنى الحقيقي ممكنا في ذلك اللفظ؛ لأن القرينة هي التي صرفت اللفظ عن معناه الحقيقي إلى المعنى المجازي، وأيضا فإن المجاز أحد طريقي أدلة المعنى كالحقيقة، وهو طريق مسلوك، والتعبير به كثير، فإذا قام الدليل على أنه المراد من اللفظ فلا معنى للعدول عنه إلى غيره، وإن كان غيره هو الأصل، ولا خلا في هذا المعنى بين الأصوليين، كما أنه لا خلاف بينهم في رد اللفظ إلى معناه الحقيقي عند عدم الدليل الصارف له عن ذلك، لكن الخلاف فيما إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح فذهب أبو حنيفة إلى أنه يحمل على الحقيقة؛ لأنها الأصل، والأصل لا يترك إلا لضرورة أي لضرورة تلجىء السامع إلى تركه بحيث لم يجد سبيلا إلى الأخذ به، قلنا يكفي في العدول عن الأصل دليل يترجح معه الظن بأن المراد غيره كما كان ذلك في كثير من الأدلة الظنية، وذهب أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، إلى أنه يحمل على المجاز؛ لأن المرجوح في مقابلة الراجح ساقط بمنزلة الحقيقة المهجورة، وقال البدر الشماخي -رحمه الله تعالى- أنه لا يحمل على أحدهما إلا بقرينة لأن كل واحد منهما له مرجح، ومراده بالقرينة ههنا القرينة التي تتعذر معها إرادة الحقيقة رأسا، فأما إذا لم تكن تلك القرينة مانعة لإرادة الحقيقة أصلا، وإنما كانت مرجحة للمجاز فقط، فمذهبه التوقف عن ترجيح واحد منهما على الآخر، فأقول إن رجحانية المجاز بالقرينة الدالة على إرادته ولو لم تكن مانعة من إرادة الحقيقة ظاهر،