ج1 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ١ · صفحة ٢١٦من الإضمار، وقد تقدم بيان رجحانية المجاز على الاشتراك عند الكلام على حكم الحقيقة، وهذه الأربعة أعني: المجاز، والإضمار، والنقل، والاشتراك، هي التي يقع باحتمالها في اللفظ التعارض بين
معانيه، وقد بينت لك وجه الترجيح فيها، قيل وقد يحتمل اللفظ مع هذه الاحتمالات الأربعة احتمالا خامسا وهو: التخصيص أولى، والصحيح أنه نوع من المجاز؛ لأنه قصر اللفظ عن جميع مدلولاته إلى بعض أفراده، وهو خلاف الوضع الأصلي كما تقدم والله أعلم.
ثم إنه أخذ في بيان الحكمة في استعمال المجاز فقال:
والداعي لاستعماله بلاغته … ونوعه البديع واستقامته
تلفظ زيادة البيان … وحسن الاختراع للمعاني
من ذلك التعظيم والتحقير … وإن نشا الترغيب والتنفير
اعلم أنه لما كانت الحقيقة هي الأصل، والمجاز خلفا عنها كانت أولى بالاستعمال من المجاز، ولم يصح العدول عنها إلا لداع يرجح التعبير بالمجاز، وذلك الداعي هو الحكمة التي لأجلها وقع التجوز، وهي أمور كثيرة منها أن المجاز أبلغ من الحقيقة؛ أي أكثر بلاغة في الوصف وأوجز لفظا في العبارة، فإن قولك رأيت أسدا يرمي أبلغ وصفا من قولك رأيت رجلا يرمي، وأوجز لفظا من قولك رأيت رجلا بالغا في الشجاعة مبلغ الأسد، ومنها أن المجاز يتوصل به إلى المحسنات البديعية من نحو السجع والمطابقة، والمجانسة، أما السجع فنحو لقيت أسدا شاكي السلاح، فتعاطينا الرماح، وأما المطابقة وهي الجمع بين شيئين متضادين، نحو: فليضحكوا قليلا، وليبكوا كثيرا وأما المجانسة، وهي تشابه الكلمتين في اللفظ مع اختلاف المعنى فكقول الشاعر:
إلى حتفي سعى قدمي … أرى قدمي أراق دمي