ج1 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ١ · صفحة ٢٥٣الكناية:
فهي ما أشار إليه بقوله: "وما اختفى مراده" إلى آخره، وحاصله أن الكناية لفظٌ استتر المراد منه كان حقيقة أو مجازًا، فقوله: "من ذيْن" إشارة إلى أن المجاز وأصله الذي هو الحقيقة.
- اعلم أن الكناية في اللغة: هي أن يتكلم بشيء يستدلُّ به على المكنَّى عنه كالرّفث والغائط.
- وفي عرف البيانيين: أن يُذكر لفظٌ، ويُراد معناه لا لذاته بل لينتقل منه إلى معنى ثانٍ هو ملزوم للمعنى الأول ومتبوع له، والانتقال من التابع إلى المتبوع ممّا لا خفاء فيه، ومناط الإثبات والنفي والصدق والكذب هو المعنى الثاني لا الأوَّل، فصحَّ أن يُقال: فلانٌ طويل النجاد، قصدًا به إلى طول القامة، وإن لَمْ يكن له نجادٌ أصلاً، بل وإن استحال المعنى الحقيقي، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ﴾ (الزمر: 67)، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه: 5)، فإن هذه الأشياء كنايات عند المحققين من غير لزوم كذب؛ لأن استعمال اللفظ في معناه الحقيقي، وطلب دلالته عليه إنما هو لقصد الانتقال منه إلى ملزومه لا لكونه مقصودًا لذاته، فلا يلزم الكذب باستحالة المعنى الحقيقي ليس بشرط في الكناية، وإن كان مستعملاً فيه، وإنما يُشترط ذلك لو كان استعماله فيه لكونه مقصودًا لذاته.
- وفي عرف الأصوليين: ما استتر المراد به في نفسه حقيقة أو مجازًا، فالحقيقة التي لم تهجر، والتي هُجرت، وغلب معناها المجازي في الاستعمال كناية، والمجاز المتعارف صريحٌ، وغير المتعارف كناية عندهم، وقد اشتهر بينهم إطلاق لفظ الكناية على ألفاظ يقع بها الطلاق، وهي على ثلاثة أقسام، منها ما يصلح جوابًا وردًّا إلا سبًّا وشتمًا، نحو: اخرجي اذهبي اعزبي قومي، تقنّعي استتري تخمّري، ومنها: ما يصلح جوابًا وشتمًا، لا ردًّا نحو: خلية بريّة بائن بتة حرامٌ، ومنها ما يصلح جوابًا لا ردًّا ولا شتمًا، نحو: اعتدِّي واستبرئي رحمك.
وللكناية حكمان: أحدهما: ثبوت ما يُراد بها مع النية والقصد، لذلك فإذا لَمْ ينْوِ شيئًا لَمْ يقض بثبوت موجبها. وثانيهما: عدم إثباتها ما يندرئ بالشبهة؛