ج1 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ١ · صفحة ٢٧٢هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ } (آل عمران: 78)، وأيضًا فلو ثبت ذلك في التوراة التي نزلت على موسى لاحتجوا به على نبيِّنا عليه الصلاة والسلام، ولو احتجوا به لاشتهر عادة، وهو لم يشتهر فعلِمْنا أنهم لم يحتجوا بذلك، ولمَّا كان خلاف اليهود ومن وافقهم في إنكار جواز النسخ لا يُعدَّ خلافًا لضعفه بالحجج القاهرة والبينة الظاهرة، قال المصنف: "ولا خلاف في جوازه"، أما قوله: " وقد صحّ وقوعه بنقل"، فمعناه أن وقوع النسخ، قد ثبت بالنقل الصحيح المتواتر؛ لأن شريعة نبيِّنا قد نسخت ما قبلها إجماعًا، وكذلك ما سيق من الشرائع بعضها ناسخٌ لبعض إجماعًا كما مرَّ، والوقوع دليل الجواز فلا ينبغي أن يُخالف أحد من الإسلاميين في جوازه بعد الإجماع على وقوعه، أما ما حُكي عن أبي مسلم الأصفهاني من أنه أنكر وقوع النسخ في شريعتنا وفي ما قبلها من الشرائع محتجًّا بقوله تعالى: ﴿ لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ (فصلت: 42)، فباطل لا يُعدُّ خلافًا مُخلاًّ بإجماع المسلمين وسائر الملل خلا أكثر اليهود على وقوع النسخ، وذلك أنه يلزم عليه أمران باطلان:
- أحدهما: إنكار إطلاق لفظ النسخ، وهو مخالف للنص لقوله تعالى: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا ﴾ (البقرة: 106) الآية.
- وثانيهما: إنكار ارتفاع الشرائع السالفة بشريعة نبيِّنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو أيضًا باطلٌ، وما اعتذر به عنه من أن مراده بذلك أن الشريعة المتقدمة مؤقتة إلى ورود الشريعة المتأخرة، إذ ثبت في القرآن أن موسى وعيسى عليهما السلام بُشِّرا بشريعة نبيِّنا عليه الصلاة والسلام، وأوجبا الرجوع إليه عند ظهوره، وإذا كان الأول مؤقَّتًا لا يُسمى الثاني ناسخًا باطل أيضًا؛ لأنه يلزم عليه إنكار صور تسمية النسخ نسخًا مع ثبوت النص بذلك، على أنَّا لا نُسلِّمُ أن البشارة والإيجاب يقتضيان توقيت أحكامها لاحتمال أن يكون الرجوع إليه لكونه مفسِّرًا أو مقرِّرًا أو مبدِّلاً للبعض دون بعض، فمن أين يلزم التوقيت بل هي مطلقة يُفهم منها التأبيد، فتبديلها يكون ناسخًا، ولو سَلِمَ، فمثل التوجه إلى بيت المقدس والوصية للوالدين،