ج1 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ١ · صفحة ٢٨٦وكلاهما باطلٌ؛ لأنه تعالى لا يجب عليه شيء، ولأنه الفاعل لِمَا يُريد، ولو سلم ذلك لقلنا أنه لا تثبت حقيقة الحسن للفعل المأمور به بالتمكن من الفعل قبل وجوده؛ لأن الحسن صفة له، فلا يتحقق قبل وجوده، وبهذا ينتفي ما ذكروه من لزوم اجتماع الضدين أيضًا، والفاعل المختار يفعل ما يُريد بلا اعتراض عليه، فلا بداء ولا جهل.
احتج أرباب لاقول الأول بأمرين:
- أحدهما: قصة إبراهيم حين أُمر بذبح ولده إسماعيل، ونسخ عنه قبل التمكن لقوله: ﴿ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾ (الصافات: 102)، وقوله: ﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ (الصافات: 107)، ويعترض عليه بأن الواقع في قصة الذبح حصول زمان بين الناسخ والمنسوخ يمكن إتيان الفعل فيه، كما ذكره في القصة.
ويُجاب: بأن ذلك الزمان كله إنما هو تثبت في الأمر، وتتبين للحكم، وتتهيَّأ للامتثال لا تهاون عن الفعل، فلو أتى على الخليل عليه السلام زمان يمكنه امتثال الأمر فيه ما أخَّرهُ إلى ما بعد ذلك الوقت.
والأمر الثاني: ما رُوي في حديث المعراج من أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بخمسين صلاة، ثم نُسخ ما زاد على الخمس قبل التمكن من الفعل لا قبل التمكن من عقد قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - بل بعد عقد قلبه. واعترض عليه بأن هذا الحديث غير ثابت، والمعتزلة ينكرون المعراج، ومن أقرَّ به من غيرهم ينكر نسخ خمسين صلاة بالخمس، ويجعله من زيادات القصاص والحاكين، مستدلاًّ بلزوم التمكن من الاعتقاد مع عدم هذا التمكن في حق الأُمَّة لعدم علمهم بذلك مع كونهم مأمورين به، فإن الأمر بخمسين صلاة لم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة بل له ولأمته.
وأُجيب: بأن الحديث مشهور تلقَّته الأُمَّة بالقبول، فلا وجه لإنكاره كالتواتر والنقلة، كما رووا أصل المعراج رووا فرض خمسين صلاة، ونسخها على ما ثبت في الصحيحين وغيرهما، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أصل هذه الأمَّة، وكان مبتلى بالاعتقاد والقبول في حقِّه وحقِّ أمته، ويجوز أن يبتلي بأمته لوفور شفقته عليهم، كما ابتلى بنفسه، ومن الشروط المختلف فيها أيضًا ما اشترطه