شرح طلعة الشمس على الألفية المسماة بـ شمس الأصول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي

الجزء ٢ · صفحة ١٧

أَيضًا قد أطبق التابعون وفقهاء الأمصار على قبول الأخبار التي ترويها الآحاد فكان إجماعًا من التابعين أَيضًا، فإن قيل إنه كما نقل قبولهم للآحاد فقد نقل ردُّهم إياها كردِّ عمر خبر فاطمة بنت قيس وردِّ أبي بكر خبر عثمان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن له في ردِّ الحكم من مطرده وردِّ علي خبر سيَّار الأشجعي في بروع بنت واشق فتعارض الرواية فتساقطت، أجيب بأنه لاَ نُسَلِّمُ أنَّ نقل الرد كنقل القبول بل الذي نقل أنه ردُّ أخبار يسيرة قليلة جدًّا ولم تُردَّ لكونها آحادية، وإنما ردَّت لشك في روايتها ولهذا ردَّها بعضهم دون بعض فإن خبر فاطمة قبِلَه غَيرُ عُمر، وخبر سيَّار قبله عبد الله بن مسعود.

احتج المانعون من جواز التعبُّد بخبر الآحاد ومن جواز الأخذ به بوجوه أحدها قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ ﴾ (الإسراء: 36)، وقوله تعالى: ﴿ إَن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ ﴾ (يونس: 66)، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغنِي مِنَ الحَقِّ شَيئًا ﴾ (يونس: 36)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : "دَع مَا لاَ يُرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يُرِيبُكَ"، إلى غَيرِ ذَلِكَ، قالوا: قد نهينا عن اتِّبَاع الظن بالكتاب والسنة وخبر الآحاد لا يفيد إلا ظنًّا فوجب اطراحه، وثانيها إن القول بوجوب العَمَلِ بالآحاد يؤدي إلى العَمَلِ بالمتضادات لوقوع التعارض في الأحاديث، وثالثها إن أصول الشريعة يجب أن تكون لها غاية تضبطها ليصح الاستنباط منها وليتأتى حمل الفرع على الأصل والتعبُّد بخبر الواحد يمنع من ذَلِكَ لأن القائس على أصل يجوز أن يكون ذَلِكَ الأصل معارضا بأصل آخر لم يبلغه.

وَأُجِيبَ عن الأول: إن تلك الآيات الواردة في ذم اتِّبَاع الظن هي فيما يكن المطلوب فيه العلم أي ذمَّ اتِّبَاع الظن في الأمور القطعية الاعتقادية وكلامنا في الأمور العَمَلِية الفرعية جمعا بين الأدلة.

وَأُجِيبَ عن الثاني: بأنه لا تضادَّ في ذَلِكَ لأن من صوَّب جميع المجتهدين فهذا لا يقدح عليه إذ حكم الله تعالى من كل واحد منهم ما أداه إليه ظنُّه فإذا تعارض عليه الخبران ولم يعرف نسخ أحدهما للآخر رجع إلى الترجيح، فلإن عجز عن الترجيح فعلى

٣٢٢ / ٦٢٢