شرح طلعة الشمس على الألفية المسماة بـ شمس الأصول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي

الجزء ٢ · صفحة ٥٥

كقوله - صلى الله عليه وسلم - : "صَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي"، و"خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم"، وكالغسل إلى المرفق أو حيث يكون فعله من

العبادات فإنه الذي يجب علينا التَّأَسِّي به إذ الظاهر أن حكمنا حكمه فيها وما سواها فلا وجه لوجوب اتِّبَاعِهِ فيه من غير دليل، ورُدَّ بأنه لاَ نُسَلِّمُ أن الظاهر فيما عدا العبادات سقوط وجوب التَّأَسِّي والآية لم تُفصِّل، وكذلك عموم قوله تعالى: ﴿ وَاتَّبِعُوهُ ﴾ (الأعراف: 158)، يقتضي ذلك لا يقال إن الآيتين الكريمتين إنما تدلان على وجوب التَّأَسِّي مرة واحدة؛ لأنه أمر، والأمر لا يقتضي الاستمرار ثم إنا ندّعي الإجماع على وجوب التأسي به في غير العبادات كما يجب فيه فإنهم رجعوا إلى أزواجه في قبلة الصائم وفيمن أصبح جُنبًا لم يفسد صومه وفي تزوُّجه ميمونة وهو حلال أو حرام وغير ذلك.

القسم الثاني: ما لم يعلم صفته من وجوب أو نحوه، وإنما فعله - صلى الله عليه وسلم - ولم تدلَّت قرينة على جهة إتيانه له أهو على جهة الوجوب أم غيره، اختلف الأُصُولِيُّون على ما يحمل فنوقعه نحن عليه، فقال أبو العباس ابن سُريج والأصطخري وغيرهما من أصحاب الشافعي: "إنه يُحمل على الوجوب فيلزمنا إيقاعه لوجوبه"، وقال الشافعي: "بل يُحمل على الندب فقط"، وقال مالك: "بل يحمل على الإباحة"، ورُوي عنه القول بالوجوب أيضا، وقال ابن الحاجب: "إن ظهر منه - صلى الله عليه وسلم - قصد القرية فندب وإلا فمباح"، وقيل بالوقف.

احتج القائلون بالوجوب بوجوه أحدها: ما قدَّمنا من عموم قوله تعالى: ﴿ لَقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللهِ أسوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ (الأحزاب: 21)، وقوله تعالى: ﴿ وَاتَّبِعُوهُ ﴾ (الأعراف: 158)، وثانيها: عموم قوله تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُم الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا ﴾ (الحشر: 7)، وأيضا فقد خلع - صلى الله عليه وسلم - نَعلَه في الصلاة بأنه إنما يجب التأسي والاتباع على جهة الوجوب حيث عُلِم أنَّ الفعلَ واجبٌ، أما حيث لم يُعلم ذلك فلا

٣٦٠ / ٦٢٢