ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٨٧انقراض العصر اعتبر رجوعه بعد ذلك؛ لأن الإجماع معه لم ينعقد إلا بانقراض العصر، والصحيح أن انقراض العصر ليس بشرط في انعقاد الإجماع؛ لأن الدليل لم يعتبره، وإنما اعتبر اتفاق أهل العصر على قول واحد في الحكم.
احتجّ المشترطون لانقراض العصر بأن أبا بكر سوّى بين الصحابة في العطاء، وخالفه عمر في التفضيل بعد إجماعهم على رأي أبي بكر، فاقتضى كون انقراض العصر شرطا، وكذلك اتفق رأي علي وعمر وغيرهما من الصحابة على تحريم بيع أم الولد، ثم إن عليًّا خالفهم بعد ذلك، ورأى جواز بيعها فاقتضى أن انقراض العصر شرط وإلا لم تجز مخالفته، يوضّحه أن عمر لو رضي فعل أبي بكر في التسوية، وأن رأيه في ذلك موافق لرأي أبي بكر لم يخالفه من بعد، فدلّ ذلك على أن فيهم من سكت عن غير رضا وموافقة، وإنما كان سكوته لكون رأي الخليفة هو المقدّم، وكذلك لم يصحّ عنهم جميعًا الجزم بتحريم بيع أُمِّ الولد قبل أن يخالفهم عليُّ؛ إذ لو أجمعوا ولم يبق أحد إلا رضي بذلك القول لم تجز المخالفة.
الشرط الرابع: قاله بعض الأصوليين، وهو أنه يشترط في المجمعين أن يكونوا كعدد أهل التواتر حيث لا يمكن تواطؤ مثلهم على الكذب، والجمهور لا يشترطون ذلك؛ لأن الدليل السمعي لم يفصّل بين عدد وعدد بل اعتبر الأمة وإن قلّت، فلو لم يبق من الأمة إلا واحدًا فقيل: يكون قوله حجة إذ هو الأمة حينئذ، وقيل: لا يكون قوله حجة؛ إذ لا يسمى قوله إجماعا، والحجة إنما هي الإجماع، ورُدّ بأن الحجة قول الأمة، ولا عبرة بالتسمية، والله أعلم.
ثم إنه أخذ في بيان طريق نقل الإجماع وحكمه، فقال:
وَإِنْ أَتَى فِي نَقْلِهِ التَّوَاتُرُ … فَذَاكَ مَقْطُوعٌ بِهِ وَالآخَرُ