ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ١١٩كما زعم ابن الحاجب، والمراد بالحكمة تحصيل المصلحة، أو دفع المفسدة، والمراد بالمصلحة اللذة ووسيلتها، والمراد بالمفسدة الألم ووسيلته، وكل منهما إما نفسي أو بدني، وديني أو دنيوي، فإن تعارض دليلان أو علتان في أحدهما تحصيل مصلحة، وفي الآخر دفع مفسدة، ولم يمكن الجمع بينهما بوجه قدّم الدافع للمفسدة على الجالب للمصلحة؛ لأن دفع المفسدة أهم من تحصيل المصلحة، وهذه معنى قوله: "والثاني أهم من جلب ما يصلح"، أما قوله: "والكل انقسم"، فتمام معناه في الأبيات الآتية، وهي قوله:
إِلَى ضَرُورِيٌّ كَحِفْظِ العَقْلِ … وَالدِّينِ وَالنَّفْسِ مَعًا وَالنَّسْلِ
وَالمَالِ أَيْضًا وَإِلَى الحَاجِيِّ … كَالبَيْعِ وَالأُجْرَةِ لِلْصَّبِيِّ
وَمَا بُنِيَ مِنْهُ عَلَى اسْتِحْسَانِ … ثَالِثُهَا وَأَصْلُ ذَا قِسْمَانِ
إِذْ قَدْ يَجِي مُوَافِقَ القِيَاسِ … مِثْلَ النَّظَافَاتِ مِنَ الأَنْجَاسِ
وَالزَّكَوَاتِ صِلَةُ الأَرْحَامِ … مَكَارِمِ الأَخْلاَقِ فِي الكِرَامِ
وَالعَبْدُ لاَ يَكُونُ أَهْلاً لِلْقَضَا … وَلاَ إِمَامًا أَوْ شَهِيدًا مُرْتَضَى
وَخَارِجٌ عَنِ القَيَاسِ مِثْلُ أَنْ … يُكَاتِبَ العَبْدُ فَذَا شَيْءٌ حَسَنْ
لَكِنَّهُ تَعْوِيضُ مَالِ السَّيّ … بِمَالِهِ وَمِثْلُ ذَا لَمْ يُعْهَدِ
اعلم أن كل واحد من جلب المصلحة ودفع المفسدة منقسم إلى ثلاثة أقسام: إلى ضروري وحاجي وتحسيني:
- أما الضروري فهو ما يفضي الحال فيه إلى الضرورة، وهو خمسة أشياء:
? الأول حفظ العقل ولأجله شرع تحريم الخمر وسائر المسكرات، فالعلة في تحريم المسكرات هي السكر، والحكم التحريم، والحكمة حفظ العقل.
? الثاني: حفظ الدين ولأجله شرع الجهاد، وقتل الزنديق والمرتد والساحر، وعقوبة أهل البدع، ونحو ذلك، فالعلة في الجهاد كفر الكافر أو بغي الباغي، والحكم فيه وجوب الجهاد أو ندْبِيَتُه، والعلة في قتل الزنديق والساحر زندقته وسحره، والحكم وجوب قتله أو جوازه، والحكمة حفظ الدين، والعلة في قتل المرتد اترداده، والحكم