ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ١٣٠ذكره هنالك بعيدا، بل يعدُّه ذو الفهم القوي والفطنة الوقادة من الهذيان، واللغو في الكلام، ومنصب الشرع يجل عن ذلك، فمنها أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا مناسبا له، نحو: "لا يقضي القاضي وهو غضبان"، ففي هذا الحديث إشارة إلى أن وجود الغضب علة مانعة من صحة القضاء، وهي مناسبة لذلك؛ لأن الغضب مشغل للقلب، والقضاء أمر عظيم يحتاج معه إلى فراغ البال، ونحو قولنا: "لا نولي طالبا"، أي لا نعقد الولاية لطالب الأمارة، فإن ذكر الطلب مقارنا لمنع الولاية يقضي بأنه علة له، وهو مناسب لذلك؛ لأن طالب الأمارة لا يؤمن منه أن يكون قد طلبها لدنيا أو شيء من الحظوظ النفسية، وإن أمن ذلك في بعض الأشخاص، فيخشى أن يوكل إلى نفسه، وكفى بذلك مانعا، ونحو قوله تعالى: ﴿ فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ﴾ (البقرة: 282)، فنبه على أن العلة في صحة نيابة الولي عنه هي السفه أو الضعف، كذا قيل، وجعل ابن الحاجب وغيره نحو هذا من الصّريح، ومن هذا النوع ما يذكر لأجل مدح أو ذم، نحو أكرم العالم وأَهِن الجاهل، فإن كل واحد من العلم والجهل، ونحو قوله - صلى الله عليه وسلم - : "لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، فإن قوله: "اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" علة للعنهم، ولو لم يرد بع التعليل لكان ذكره هنالك بعيدا، ومنها أن يذكر الشارع نظير المسألة، كقوله عليه الصلاة والسلام لعمر، وقد سأله عن قبلة الصائم هل تنقض الصوم؟، فقال - صلى الله عليه وسلم - : "أرأيت لو تمضمضت بماء، ثم مججته، أكان ذلك مفسدا للصوم؟"، فقال: لا، فنبه على أن مقدمات الشيء لا تنزل منزلته، فجعل مقدمة الجماع كمقدمة الواصل إلى البطن، وكذا قوله للخثعمية حين سألته عن قضاء الحج عن أبيها: "أرأيت
لو كان على أبيك دين، فقضيته، أكان ينفعه؟"، فقالت: نعم، فقال: "دين الله أحق أن يقضى"، فنبه على أن القضاء علة النفع في حق الآدمي، فحق الله أحرى فائدة ونفعا لمن قضىعنه، ومنها أن ينبه بالسؤال عن الشيء على كونه علة لذلك الحكم، كقوله عليه الصلاة والسلام، وقد سئل عن جواز بيع الرطب بالتمر، فقال: أينقص الرطب إذا جفّ؟"، قالوا: نعم، فقال: "فلا إذا"، فنبه عليه الصلاة والسلام أن النقصان علة منع البيع، لا يقال فهم التعليل من الفاء وإذا؛ لأنَّا نقول لو قدر سقوطهما لما انتفى فهم التعليل، ومن هذا النوع حديث الأعرابي الذي قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هلكت وأهلكت، فقال: عليه الصلاة والسلام: "ماذا صنعت؟"، قال: واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال عليه الصلاة والسلام: "أعتق رقبة"، فإنه يدل على أن الواقعة علة للإعتاق، وذلك أن ذكر الأعرابي حادثته مع النبي عليه الصلاة والسلام ليس إلا لبيان حكمها، وذكر النبي عليه الصلاة والسلام حكمها بعد ذلك جواب للأعرابي ليحصل غرضه لئلاّ يلزم إخلاء السؤال عن الجواب، وتأخير البيان عن وقت الحاجة، ومنها التفرقة بين الحكمين بوصفين إما بصيغة صفة مع ذكر الوصفين، نحو: "للفارس سهمان، وللراجل سهم"، أو مع ذكر أحدهما نحو "القاتل لا يرث"، ولم يذكر غير القاتل، فذكر الفروسية مقرونا بتمليك السهمين، وذكر الرجولية مقرونا بتمليك السهم، وَصْفان فرّقا بين حكمي الفارس والراجل، فكان كل واحد منهما علة للحكم المقرون به، ولولا ذلك لكان ذكره