شرح طلعة الشمس على الألفية المسماة بـ شمس الأصول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي

الجزء ٢ · صفحة ١٩٣

وقيل: لا يتساقطان، لكن يخيّر المجتهد في العمل بأيهما شاء، وهو مذهب الإمامين أبي سعيد الكدمي وابن بركة البهلوي، وقيل: بالوقف، بمعنى أنه لا يحكم بتساقطهما، ولا بالعمل بأحدهما، فهذه ثلاثة أقوال، قال المحلى: "أقربها التساقط مطلقا، كما في تعارض البينتين، وفي المسألة قول رابع: وهو التخيير بينهما في الواجبات؛ لأنه قد يخير فيها، كما في خصال كفارة اليمين، والتساقط في غير الواجبات"، وأقول أن التخيير بين الدليلن مطلقا سواء كانا في الواجبات أو في غيرها لا معنى له، إذ ليس أحد المتعارضين أولى بالأخذ به من الآخر، فالمتمسك بأحدهما متمسك بدليل مُعارَض بمثله، والعمل

به من غير مرجح تحكّمٌ، والقول بالوقف أقرب إلى السلامة، والقول بتساقطهما هو الصحيح عندي، والله أعلم.

ثم إنه أخذ في بيان ما يصح تعارضه من الأدلة، وما لا يصح، وفي كيفية التخلص من التعارض، فقال:

وَلاَ يَصِحُّ بَيْنَ قَطْعِيَيْنِ … تَعَارُضٌ أَوْ بَيْنَ ظَنِّيَيْنِ

هَذَا هُوَ الحَقُّ وَقَوْمٌ حَسَّنُوا … بِأَنَّهُ فِي الظَّنِّيَيْنِ مُمْكِنُ

وَإِنْ أَتَى مُوهِمُ ذَاكَ وَجُهِلْ … لِأَيِّ شَيْءٍ فَعَلَى النَّسْخِ حُمِلْ

وَالْتَمِسِ الجَامِعَ إِنْ لَمْ يُعْلَمَا … أَيُّ الدَّلِيلَيْنِ الذِّي تَقَدَّمَا

وَارْجِعْ إِلَى التَّرْجِيحِ إِنْ لَمْ يُمْكِنِ … جَمْعُهُمَا فِي قَالَبٍ مُسْتَحْسَنِ

لا يصح التعارض بين الأدلة القطعية، كدليل إثبات الرؤية ونفيها، إذ يستحيل اجتماع ثبوت أمر وانتفاؤه، فلا بد وأن يكون أحدهما باطلا اتِّفَاقًا، وجوَّز المحلِّي القول بصحَّة تعارضهما، وهو باطل قطعا.

وَأَمَّا تعارض الدليلين الظَّنِّيَّيْنِ فقد اختلف في جوازه، ونسب القول بجواز التعارض فيهما إلى الجمهور؛ لأَنَّ ذلك لا يُؤَدِّي إلى محال عندهم، وقال الكرخي وأحمد بن حنبل: لا يَصِحُّ تعارض الظَّنِّيَّيْنِ أيضا، وَاحْتَجُّوا على ذلك بِأَنَّ الظَّنِّيَّيْنِ إذا تعارضا، فَإِمَّا أن يُعمل بهما، أو بأحدهما مُعَيَّنًا أو مخيَّرا، أو لا،

٤٩٨ / ٦٢٢