ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٩كإيجاد المخلوقات وإعدامها، فالأحكام العقلية ثابتة لو لم يرد بها شرع إجماعًا، والنزاع بيننا في ثبوت الأحكام الشرعية بالعقل، فنحن لا نثبتها به، والمعتزلة يثبتونها به، ويجعلونه حاكمًا بها، ويجعلون الشرع مؤكّدًا ومبيّنًا، نعم وقد ذهب بعض أصحابنا إلى ثبوت الحكم الشرعي في بعض المواضع بالعقل، وذلك عند عدم ورود الشرع، أمّا عند ورود الشرع فلا حكم عندهم لغيره، وهذا الفرق بين مقالة هذا البعض، وبين مقالة المعتزلة.
قال بشير: "لو أن رجلا ضرب رجلا بخشبة أو ما فوق ذلك، لألزمنا الضارب البراءة، ولم يجز الوقوف عنه"، قال: "لأنه قد قامت الحجة في العقل أن ذلك ظلم"، قال: "وهذا وأشباهه من حجة العقل"، قال: "وكذلك لو سرق في الميزان مقدار حبة فما فوقها متعمّدًا للتطفيف لكان ذلك في تعارف الناس أنه ظلم، وعليه البراءة منه، وما كان مثل هذا، ولم يجز الوقوف؛ لأن حجته قد قامت، وأما إذا دفر رجل رجلاً دفرة رفيقة، مثل ما يجوز أن يفعله الناس ببعضهم بعضًا، ولا يكون ذلك ظلمًا معهم، لم تكن فيه البراءة، ولا الوقوف"، إلى آخر ما أطال في بيان ذلك، وجميعه مبنيٌّ على تحكيم العقل كما ترى. وقال ابن بركة، وقد سئل عن صاحب الجزيرة الذي لم يسمع بشرعٍ، ولم تبلغه الحجة، قال: "كلّفه الله في حال التكليف أن يعلم أن له خالقًا"، ثم قال: "وعلم ذلك يقع له من طريق العقل، ما يراه من خلق نفسه والأرض، واختلاف الليل والنهار"، ثم قال: "ويجب عليه الكفّ عما قبُح في عقله، كقتل الحيوان وأكل لحومها، وعليه الإنكار على من فعل ذلك"، ثم قال: "لولا أن ذلك أجازته الشريعة لَمَا كان حسنًا"، وهذه المسألة من مباحث الكلام، وبسطها في كتبه، وإنما ذكرنا طرفًا منها هاهنا لمناسبة بين الحكم والحاكم، وقد حقّقنا القول فيها تحقيقًا حسنًا في مشارق الأنوار، والله أعلم.
ثم إنه أخذ في بيان الحجة على المعتزلة في زعمهم أن العقل حاكم بالشرعيات، فقال: