ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٨وَنُعْطِهِ لِلْحُسْنِ نَوْعَ فَهْمِ … وَالقُبْحِ لَكِنْ لَيْسَ ذَا بِالحُكْمِ
احتجت المعتزلة على ثبوت الحكم للعقل من طريق الإلزام بوجهين:
- الوجه الأول: قالوا: لو لم يكن الحاكم العقل للزم إفحام الرُّسل، بيان ذلك أنه لو قال الرسول لأحد من الناس: أنظر في معجزتي جتى تعرف صدقي، فلو لم يكن العقل حاكمًا عليه بالنظر في المعجزة؛ لكان له أن يقول: لا أنظر في معجزتك حتى يجب عليّ النظر فيها، ولا يجب عليّ ذلك حتى أعرف صدقك. وجوابه: أنما ذكر من قول المفحم شرط لحصول العلم، لا شرط لثبوت الحكم، أي فالنظر في معجزة الرسول إنما هو شرط لحصول العلم برسالته، لا لثبوت حكمه على من أرسل إليهم، فإن حكمه يثبت عليهم بظهور المعجزة على يديه سواء أنظروا فيها أو لم ينظروا، ولولا ذلك للزم عذر من لم ينظر في معجزة الرسل إعراضًا عنهم أو عنادًا لهم؛ وهو باطل إجماعًا.
- الوجه الثاني: قالوا: لو لم يكن العقل حاكما للزم تجويز ما كان ممتنعا من صفات الله تعالى، فيلزم المحال، كتجويز الكذب والجهل وصفات العجز، وكإظهار المعجزة على يد الكاذب، وغير ذلك من المحالات، وهذا باطل قطعًا. وجوابه: أن هذا المذكور ليس هو الحكم الذي نمنعه، وإنما نمنع أن يكون العقل حاكمًا حكمًا يترتب عليه ثبوت الثواب والعقاب، أمَا ما ذُكر من الإلزام؛ فنقطع أنه ممنوع بالعقل، ونحن نجعل للعقل أحكامًا نبرهن بها الحق، لكنها غير الأحكام الشرعية، وكذلك نجعله مدركًا لحسن الحسن وقبح القبيح، لكن ليس هذا كله بالحكم المتنازع فيه، فإن الحكم المتنازع فيه هو ما يترتب عليه ثبوت الثواب والعقاب كما مرّ غير مرّة، وليس هذا كذلك، فالواجب العقلي هو ما لا يتصور في الذهن عدمه، كوجوده تعالى وثبوت كمالاته، والممتنع العقلي: هو ما لا يتصور في الذهن وجوده، كوجود شريك عنده تعالى، وصفات النقص، فإن جميع ذلك محال في حقّه، والجائز العقلي: هو ما يتصوّر في الذهن وجوده وعدمه،