ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٢٥٨من العوارض المكتسبة: الجهل، وهو بالنظر إلى حال الجاهلين على أربعة أقسام، لأنه إما أن يكون جهلا غير قابل للديانة، كجهل من يعبد الأصنام، فإن عبادة الأصنام لا تطون دِينًا في شيء من الشرائع، ولا يقبل العقل جعلها دِينًا، وإما أن يكون قابلاً للديانة، كجهل النصارى شريعة نبيّنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فإن النصرانية الخالصة المحقّة كانت دين نبي الله عيسى عليه السلام، فهذان القسمان والقسم الثالث دون ما تقدم من جهل عابد الصنم والنصارى، وهو جهل المتأولين الضالين من هذه الأمة، وجهل البغاة المتمرّدين، والقسم الرابع: جهل يكون عذرًا للملتبس به، كأكل لحم الخنزير المقطع، وهو لم يعلم أنه لحم خنزير، ولكل واحد من هذه الأقسام أحكام يأتي بيانها الأوّل فالأول.
- فأخذ أولاً في بيان القسم وهو ما لا يقبل الديانة، فذكر أنه مثل جهل من يعبد الصنم من دون إلهه تعالى، فإن عبادة الأصنام لم تكن في حال من الإسلام؛ فهي باطل في جميع الشرائع، فالمتمسّك بها متمسّك بظلال ظاهر؛ لظهور الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة على بطلانها، ولهذا كان حكم أهل هذا النوع إجراء حكم الشرع عليهم.
اعلم أن عبّاد الأصنام وأشباههم إذا دعوا إلى الإسلام، أمّا أن يجيبوا بالسمع والطاعة فلهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، فتجري لهم وعليهم أحكام الإسلام، وأما أن يأبوا عن الإسلام، ويمتنعوا من قبول الأحكام؛ فحكمهم أن يُناصبوا الحرب، ويقعد لهم بكل مرصد، ويضيّق عليهم المسالك حتى يدخلوا في الإسلام، فليس لهم إلا الإسلام أو السيف، أمّا صلحهم؛ فلا يصح إذا كان المسلمون ذوي قدرة عليهم، ورجوا النصر في الحال، أمّا إذا كان في الحرب خلل على الدين، ورأى الإمام أن الصلح أقوى لأمر المسلمين كان له أن يصالحهم انتظارًا للنصر، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع مشركي العرب، والله أعلم.
ثم إنه أخذ في بيان القسم الثاني من الجهل، وهو الجهل الذي يقبل الديانة، فقال: