ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٢٦٤وَيُرْفَعُ الحَدُّ عَنِ المُرْتَدِّ … فِي سُكْرِهِ لِشُبْهَةِ فِي الحَدِّ
من العوارض المكتسبة: السكر، وهو تغير العقل بسبب أبخرة تصعد إلى الدماغ من شب المسكرات أو أكلها، فذهاب الدماغ في قول المنصف عبارة عن تغير العقل، وصح تعبيره بذلك؛ لأن تغير الدماغ سبب لتغير العقل، وتغير العقل هو ذهاب حاسته المدركة المميزة، فكان في كلام المصنف مجاز مرسل، أمّا على مذهب من زعم أن العقل في الرأس؛ فالتجوز ظاهر، وأما على مذهب من زعم أنه في الصدر، وهو الصحيح لقوله تعالى: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ (الحج: 46)، وأراد بالقلوب العقول، فلأن سلطان العقل في الرأس، فإذا ضعف الدماغ ضعف العقل.
ثم إن السكر نوعان، لأنه إما أن يكون سببه حلالا، فكسكر من سكر من الأشياء التي أبيح له أكلها أو شربها لحال الضرورة، مثاله: لو اضطره الجوع إلى شرب الخمر أو أكل المسكر، أو جبره السلطان على ذلك؛ لإغنه يباح له على قول إحياء نفسه من المسكر، فإذا أحياها من ذلك المباح في حقه فَسَكَر؛ فحكمه في الصلاة والصيام ومنع التصرف حكم المغنى عليه؛ لأن كل واحد من الإغماء والسكر المباح مغير للعقل من غير هوى من صاحبه، وأمّا السكر الذي سببه حرام؛ فهو أن يسكر المرء من أكل المسكر أو شربه على غير الضرورة المتقدم ذكرها، فإن هذا السكر لا يُنافي الخطاب؛ لأنه متعرض بنفسه لتغير عقله اختيارًا، فناسب أن تُجرى عليه الأحكام لشرعية، والدليل على أنه غير مناف للخطاب قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى ﴾ (النساء: 43)، فإنهم نهوا أن يقربوا الصلاة وهم سكارى، وهذا الخطاب متوجه إليهم حال السكر، فإذا ظهر لك صحة تعلق الخطاب بالسكران؛ فاجر عليه أحكام الصاحي؛ فيثبت طلاقه لزوجته، وعتقه لعبيده، ويلزمه الإسلام في حال سكره، بمعنى أنه إذا كان كافرًا ثم سكر، ثم أسلم في حال