ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٢٦٥السكر، ثم شاء الارتداد بعد الصحو، فإنه يجبر على الإسلام ترجيحًا للإسلام على غيره؛ لأن الإسلام يعلو ولا يُعلى، أمّا لو كان مسلمًا ثم ارتدّ في سكره، فإنه لا يُقام عليه حدّ المرتدّ؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وتغير العقل بالسكر شبهة واضحة.
وبالجملة فجميع الأحكام ثابتة على السكران الذي سبب سكره حرام، حتى قيل: إنه لو فعل في سكره ما يستوجب به الحد، يُقام عليه الحد، فلو زنا وهو سكران أُقيم عليه حدّ الزاني، ولو سرق وهو سكران قُطعت يده، وكذا سائر الحدود، وقيل: لا يُقام عليه الحد في ذلك؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهو الصحيح عندي، والأول أشهر، وأقول أنه ينبغي أن يخرج من جملة ذلك حد الارتداد، فيُقال: إن المرتد في حال سكره لا يُقام عليه حد المرتدّ، وهو القتل؛ لأن السكران لا تمييز معه، فيجري على لسانه ما لم يكن مقصودًا له، وقد رأيناهم ينتظرون بالمرتد مالا ينتظرون بغيره من أهل الحدود، حتى حكى بعضهم إجماع الناس على أن المرتد من الإسلام إلى الشرك يستتاب قبل القتل، وفي حكايته هذا الإجماع نظر، فإنه قد رُوي عن الحسن البصري أنه يقتل في الحال، ولا يُستتاب، وقال عطاء: "إن كان مولودًا على الإسلام استتيب، وإن كان أسلم بعد كفره، ثم ارتدّ لم يستتب"، وقال الشافعي: " فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: التأني به ثلاثًا، والقول الثاني: يقتل في الحال إلا إن سأل النظرة"، وقال ابن بركة: "النظر يوجب أن لا يجب على الإمام استتابته، ولو كانت الاستتابة واجبة قبل القتل لِمَا يُرجى من رجوعه؛ لوجب أن لا يقبل منه استتابة واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا؛ لأن الرجاء قبل القتل لِمَا يُرجى من رجوعه قائم"، وقال أصحاب الظاهر: "يجب على الإمام قتل المرتد أول أوقات الإمكان؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتله، ولم يجعل لذلك وقتًا معلومًا"، واختار أصحابنا أن يستتاب المرتد قبل أن يقتل لِمَا رُوي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه استتاب مرتدًّا أربع مرارٍ، ورُوي أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى