شرح طلعة الشمس على الألفية المسماة بـ شمس الأصول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي

الجزء ٢ · صفحة ٢٧٣

لأنها إنما ذُكرت لكونها الأغلب من حالات المضطرّ، ففي العادة أنه لا يضطرّ غالبًا إلى أكل الميتة ونحوها إلا الجوع الشديد.

- وكذلك يصحّ للمجبور الترخص بإتلاف مال الغير، فإذا أكره الجبار أحدًا على إضاعة مال غيره؛ جاز له التقية بذلك؛ فصحّ له إتلافه بشرط ضمانه لصاحبه، ومعنى ذلك أنه لا يكون آثمًا في إتلافه؛ لأن النفوس تُفدى بالمال ولا عكس، وإنما أوجبنا عليه الضمان لئلاّ يضيع مال الغير في غير شيء، وفي الحديث: "لا تواء على مال مسلم"، والتواء: الهلاك.

- ومن لم يأخذ بالرخصة في شيء من هذه الأمور لكنه تمسّك بالعزيمة حتى قُتِل عليها أو عُذّب؛ حاز بذلك من الله المقام الأكمل، إذ لا يلزمه الترخص في شيء منها، بل الترخص فيها كلّها جائز فقط، خلافًا لمن أوجب التقية بأكل الميتة وأشباهها، ونحن نقول أنه لا فرق في الإكراه بين الأخذ بالعزيمة في ترك التلفظ بالكفر، وفي ترك الترخص بأكل الميتة، وقد ورد أن رجلين مرَّا على مسيلمة الكذّاب، فأخذهما، فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟، فقال: رسول الله، فقال: ما تقول فيَِّ؟، قال: أنت أيضًا، فخلاّه، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟، قال: رسول الله، قال: ما تقول فِيَّ؟، قال: أنا أصمّ، فأعاد ثلاثًا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "أمّا الأول فقد أخذ بالرخصة، وأما الثاني فقد صدع بالحق، فهنيئًا له"، فهذه أدلة مصرِّحة بأن الأخذ بالعزيمة أوسع، بل هو أفضل من التّرخص، ولم يُعدّ تارك الرخصة في هذه الصورة حتى قُتِل مهلِكًا لنفسه، فكذا في أكل الميتة والفرق بينهما عسر جدًّا، والمراد بالمقام الأكمل في كلام الناظم: الثواب الجزيل في الآخرة، وفي ذكره حسن الاختتام؛ لأنه مشير إلى كمال الكلام على قسم الأحكام، وهو آخر الكلام في أصول الفقه، لكن بقيت أشياء يحتاج مستنبط الأحكام إليها، وبها يعرف المجتهد من غيره، وبها يتميّز مواضع الاجتهاد من غيره، فجعلها خاتمة للفنّ، فقال:

٥٧٨ / ٦٢٢