ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٢٧٢كيفما أمكنه، حتى لو لم يمكنه أن التكييف في نفسه كيّفها، وكان ذلك عذرًا له، وذلك أن الترخص قد صحّ في كلمة الكفر، وهو هاهنا أوْلى، وأيضا فقد ثبت الترخص في أمور الصلاة والصوم ونحوهما بأعذار دون الإكراه، كالسفر والمرض والخوف ونحو ذلك، فثبوت الترخّص في الإكراه أوْلى؛ لأنه أشد من السفر والمرض، وهو نوع من أنواع الخوف الشديد، فينبغي أن تثبت فيه رُخص الخوف.
وكذلك يجوز للمجبور الترخص بفعل بعض المحرمات، اعلم أن المحرمات منها ما لا يصحّ الترخّص بفعله عند الإكراه، ومنها ما يصحّ التقية به:
- أما الذي لا يصحّ الترخص به عند الإكراه، فهو قتل المسلم بغير حقٍّ، أو إتلاف عضو منه أو جرحه أو نحو ذلك، مثل الزنا وأشباهه، فإن التقية في مثل هذا لا تصحّ، حتى لو أكره الجبَّار أحدًا على جرح مسلم، فإن لم يفعل قَتَلَهُ، لزمه أن لا يفعل؛ لأن نفسه ليست أوْلى بالسلامة من نفس غيره، وأمّا الزّنا فإنه بنفسه لا يقبل الإكراه، حتى لو زنا عُدَّ مختارًا للزنا؛ لأن الآلة لا تساعده إلا عند الرضا، وأما المحرم الذي يصحّ التقية به، فكأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وجميع ما أُبيح في الضرورة؛ لأن الإكراه نوع من الاضطرار، فينبغي ألاَّ يُعطى أحكامه في صحة الترخص، لكن لَمَّا كان المجبور لم يحمل نفسه على الهلكة بترك التقية من أكل الميتة ونحوها، وإنما حمله على ذلك الجبار جوّزنا له ترك التّرخص، بخلاف ضرورة الجوع، فإنه إن لم يترخّص فيها يكون حاملاً لنفسه على الهلاك، فيجب عليه هنالك، وذهب ابن بركة والفخر الرازي وصاحب التوضيح والسعد التفتزاني إلى وجوب الأخذ بالرخصة في أكل الميتة عند الإكراه، وجعلوه كضرورة الجوع، والفرق بينهما واضح، وذهب بعض أصحابنا إلى منع الترخص بأكل الميتة ونحوها في حالة الإكراه، وقصروا جواز الترخص بذلك في حالة المخمصة؛ عملاً بمفهوم قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾ (المائدة: 3) الآية، قلنا: لا مفهوم للمخمصة في الآية؛