ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٢٨٠أجر الاجتهاد، ولم يؤثّموه لعدم ورود القاطع في القضية، ولكل واحدة من الطائفتين حججٌ، سيأتي ذكر بعضها قريبًا إن شاء الله تعالى، والخلاف بينهما لفظيٌّ، إذْ لا ثمرة له، وذهب الأصمّ وبشر المريسي وابن عليّة إلى ان الحق فيها مع واحد والمخالف له مخطئ، وقال الأصم: وينقض به حكم الحاكم، أي إذا حكم الحاكم بشيء، وخالف فيه اجتهاد غيره؛ فلذلك الغير أن ينقض حكمه باجتهاده، قال الأصم: ويأثم المخالف فيها لمن معه الحق، كما نقول في مسائل الدين. احتجّ المصوّبون للجميع بوجوه:
- الوجه الأول: أنه قد تكرّر الكلام بين الصحابة في المسائل الفروعية، وظهر اختلافهم ظهورًا شائعًا ذائعًا، فلو خطّأ بعضهم بعضًا في ذلك، وحكم بتأثيمه نقل ذلك على حدٍّ نقل الاختلاف؛ لأن الداعي إلى نقل الخلاف هو بعينه داعٍ إلى نقل ما قيل فيه من التخطئة والتأثيم، أمّا ما نقل عن ابن عباس: "فمن باهلني باهلته"، فهذا يحتمل المبالغة، وأنه أراد من زعم أني فيما قلت مخطئ آثم، فهو مخطئ آثم، فمن باهلني بعد التخطئة باهلته"، وأما قول عليِّ لابن عباس في نكاح المتعة: "إنك رجل تائه"، فهذه إنما يدلّ على أن الناظر أخطأ الأرجح، وأما قول عائشة للمرأة التي سألتها: "بئس ما شربت، وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدًا أن الله أحبط جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "، فذلك يحتمل أنها ظنّت أنه فَعَلَهُ مع اعتقاده للتحريم، إذ لم يُرْو عن غيرها مثل ذلك، فهذه الثلاث المسائل أبلغ ما رُوِيَ مما ظاهره التخطئة، ولم تظهر كظهور الاختلاف عنهم، ولم تنقل كنقل الاختلاف، فلا يجوز أن تجعل حجة على تخطئة المجتهد في الظنيات.
- الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿ مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ (الحشر: 5) نزلت في رجلين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، جعل أحدهما في حال حصاره لبني النظير يجتهد في إفساد نخلهم وقطعها، وجعل الآخر منهما يجتهد في تقويمها وتصليحها، فنمى خبرهما إليه - صلى الله عليه وسلم -، فاستحضرهما، وسألهما عن شأنهما في ذلك،