ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٢٧٩نُقل عن بعض الصحابة التوقف في مسائل من الأحكام، كمعاذ وابن عمر وغيرهما، وكذلك عن التابعين وتابع التابعين، حتى صار ذلك شعارًا في علماء الآخرة، فلو لم يكن الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض جائزٌ؛ ما ثبت هذا التوقف عنهم. احتجّ المانعون بأنه لو جاز تجزّئ الاجتهاد للزم عليه أن يُقال نصف مجتهد، وثلثه ربعه، ولم يقُل بذلك أحد. وأُجيب: بأنه لا يلزم ما ذُكر فلا يسمي المجتهد في بعض الأحكام دون بعض نصف مجتهد، ولا نحو ذلك بل يسمى مجتهدًا في ذلك البعض، وهو مجتهد تامٌّ فيما هو فيه مجتهد، وإن كان قاصرًا بالنظر إلى من فوقه، والله أعلم.
ثم إنه أخذ في بيان الاختلاف بالرّأي، فقال:
وَالخُلْفُ فِي مُجْتَهِدَيْنِ اخْتَلَفَا … فَصَوَّبَ الجَمِيعَ بَعْضٌ فَاعْرِفَا
وَقِيلَ: إِنَّمَا المُصِيبُ وَاحِدُ … لَكِنَّهُ لاَ يَأْثَمُ المُبَاعِدُ
فَمَنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ … وَأَجْرُ الاِجْتِهَادِ يُعْطَى الثَّانِي
اعلم أن المجتهدين إذا اختلفا، إما أن يكون اختلافهما في شيء من المسائل القطعية، وأما أن يكون في شيء من المسائل الظنية، فإن كان اختلافهما في شيء من المسائل القطعية، فسيأتي أن المصيب واحد منهما، والآخر مخطئ فاسق، وإن كان اختلافهما في المسائل الظنية، والمراد بها مسائل الفروع التي لم يَقُمْ على بيان حكمها دليل قطعي، فمذهب أصحابنا من أهل عُمان إلا ابن بركة ومذهب أبي يعقوب من أهل المغرب، وكثير من الأصوليين أن الصواب مع كل واحد من المختلفين، وأن حكم الله في تلك القضية التي اختلفوا فيها متعدّد بحسب اختلافهم، فحكمه عند كل واحد من المختلفين ما أدّاه إليه اجتهاده، وذهب أصحابنا من أهل المغرب وابن بركة من أهل عُمان إلى أن المصيب فيها واحد، وأن المخطئ غير آثم نظرًا منهم إلى منع تعدّد حكم الله تعالى في القضية الواحدة، فأثبتوا لمن أصاب الحقّ أجرين، أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وجعلوا لمن أخطأ حكم الله فيها