ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٢٨٧جمعها أهل الحديث في كتب مفردة، وزعموا أنهم قد استقصوا فيها ما يتلق بالأحكام حتى لم يبق شيء يدلّ بمنطوقه ولا مفهومه على حكم شرعي إلا وقد ذكروه فيما أفردوه للأحكام، فحينئذ لا يلزم البحث في غيرها؛ لأن إخبارهم مثلاً بأن هذا الكتاب قد أحاط بأخبار الأحكام يفيد الظن القويّ لظهور عدالتهم واطلاعهم، وحينئذ لا يجب على المجتهد البحث عن المعارض في النصوص، بل إذا قال مصنف الكتاب: أنه قد أورد في كل باب ما يتعلق به من الأخبار لم يلزمه البحث أن في ذلك الباب، لا في غيره من أبواب ذلك الكتاب إن غلب في ظنّه صحة ما ادّعاه، وذلك حيث لا يكون للمسألة تعلق ببابين أو ثلاثة، فإن تعلقت كذلك بَحَثَ في كل باب لها به تعلق، فهذا هو الذي يلزم المجتهد البحث فيه من الأخبار"، قال: "وأما إذا استدلّ بالقياس؛ فتعارضت عليه الأشباه؛ فالواجب عليه أن لا يبحث عن كلّ ما يجوز تعلق ذلك الفرع به من الأصول، حيث كان له شبه بأصول متعددة أو تعارضت العلل التي يحتمل التعليل بها، فيرجع إلى التراجيح بين الأشباه، فما حصلت فيه أغلبية الشبه عمل بها، وكذلك في ترجيح العلل يعمل به حتى يرجح ما يختاره، فهذا هو الذي يلزم المجتهد في اجتهاده"، هذا كلامه مع حذف بعضه، وهو ظاهر الحسن.
واعلم أنه إذا تكررت الواقعة من المسائل الاجتهادية، وكان قد اجتهد فيها، وأداه نظره فيها إلى حكمٍ؛ لم يلزمه عند تكرّرها تكرير النظر في وجه استنباطه، بل يكفيه النظر الأول إذا كان ذاكرًا لِمَا كان قضى به رأيه فيها، وقال صاحب الملل والنحل: "بل يلزمه تكرير النظر؛ لأنه يجوز أن يؤديه نظره الثاني إلى أقوى من اجتهاده الأول، بخلاف المسائل العملية، وطريق العلم لا يختلف، فلا يلزمه إعادة النظر فيها". ورُدّ بأنه قد اجتهد فيها الاجتهاد الأول، والأصل عدم أمر آخر يقتضي بطلان الاجتهاد الأول، فيبقي عليه، قال صاحب المنهاج: "ويؤيد ذلك أن من تحرى القبلة في مسجد أو غيره، فأدّاه