شرح طلعة الشمس على الألفية المسماة بـ شمس الأصول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي

الجزء ٢ · صفحة ٢٩٨

بالنية والقول والعمل؛ لأن التقليد إلتزام وإيجاب على النفس أن لا يعدل عن قول هذا العالِم، والإيجاب كالنذر، فكما لا ينعقد النذر بمجرد نية ولا عمل بل لا بدّ من لفظٍ، كذلك التزام المذهب لا بدّ من أن يقول: قد التزمت قول فلان في كذا أو مذهب فلان في مسائله كلها.

أقول: وهذا كله مما لا دليل عليه، فإن السلف من الصحابة ومن بعدهم كانوا على خلاف ذلك، فإن المعلوم من حال الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم لم يُلزموا من سأل واحدًا منهم عن حكمٍ واحدٍ وعمل بفتواه أن لا يسأل غيره عن غير ذلك الحكم، ولا أنكروا عليه ذلك، ولا نقله أحد، لا عدلٌ ولا غير عدلٍ، ولو وقع لنُقل واشتهر؛ لأنه مما تقضي العادة بنقله، وكذلك في زمن التابعين وتابعي التابعين إلى وقتنا هذا، فكان إجماعًا على جوازه، أمّا قياسهم المقلّد على المجتهد فممنوع لو وجد الفارق بينهما، وهو أن المجتهد إذا تبين له الراجح مُنع من العدول عنه لكونه حكم الله في حقّه، فعدوله إنما يكون عدولاً عن فرضه إلى غيره، ورجوعًا من الواضح إلى المشكل، وحال المقلد بخلاف ذلك، فإنَّ أخْذَه بقول العالم ليس طريقًا إلى معرفة الراجح، وإنما هو اختيار منه لكن جميع أقوال المجتهدين صوابًا، فحاله بعد التقليد كحاله من قبله، نعم نمنع الانتقال من مذهب إلى مذهب لمجرّد التشهي والحظوظ العاجلة؛ لن ذلك يؤدي إلى الانهماك في الرخص وعدم المبالات بالديانة، حتى أن أصحابنا رحمهم الله تعالى منعوا من إفتاء طالب الرخصة قبل الوقوع فيها، وما ذلك إلا لخوف التساهل في الديانة وطلب الحزم في أمور الدين، والنجاة للمسلمين. وتجويز المانعين الانتقال في بعض الصور ناقض لقياسهم المذكور، فإن قياسهم يقتضي إطلاق المنع، وذلك التجويز تخصيص غير مخصّص، فهو نقض لمذهبهم، والله أعلم.

ثم إنه أخذ في بيان ما إذا تعدّد المجتهدون، وكان فيهم الفاضل والمفضول، فقال:

وَجَائِزٌ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ الأَفْضَلَ … إِنْ كَانَ مَوْثُوقًا بِهِ إِنْ يُسْأَلِ

٦٠٣ / ٦٢٢