شرح طلعة الشمس على الألفية المسماة بـ شمس الأصول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي

الجزء ٢ · صفحة ٣٠٠

يأخذ بالأخف في حق الله، لقوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ﴾ (البقرة: 185)، وبالأشد في حقوقنا؛ لأنه أحوط، وقيل: بل يأخذ بأول فتيا؛ لأنه بسؤاله قد لزمه قبوله، وقيل: بل يخيّر في حق الله تعالى بين أيِّهما شاء لقوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ (إبراهيم : 78)، وأما في حق العباد فيأخذ الحكم لترتفع الخصومة لو اختار أيها، واختار خصمه خلافه، والله أعلم.

ثم إنه أخذ في بيان الاجتهاد في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال:

وَفِي زَمَنِ المُصْطَفَى قَدْ وَقَعَا … مِنَ الصَّحَابَةِ اجْتِهَادٌ سُمِعَا

مِثْلُ صَلاَةِ العَصْرِ فِي قُرَيْضَةِ … وَفِي بَنِي النَّضِيرِ قَطْعُ اللِّينَةِ

قد تقدم في أول ركن السنة الكلام في اجتهاده - صلى الله عليه وسلم -، وهل هو واقع منه أم غير واقع، ونذكر هاهنا حكم الاجتهاد من غيره في زمانه عليه الصلاة والسلام، وقد اختلف الأصوليون في صحة الاجتهاد في عهده - صلى الله عليه وسلم -، فقال الأكثر من العلماء: بصحته في غيبته، ومنهم من منع الاجتهاد في عصره - صلى الله عليه وسلم - في الغيبة والحضرة لإمكان الرجوع إليه بالمشافهة أو المراسلة، ولأن الاجتزاء بالاجتهاد مع وجود النبي - صلى الله عليه وسلم - اجتزاء بالظن عن العلم، وحُكي عن جماعة من الأصوليين التوقف في جوازه بحضرته، وإن جاز في غيبته، والصحيح أن الاجتهاد في عهده - صلى الله عليه وسلم - جائز وواقع، والدليل على ذلك ما رُوي أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالاً فأذّن بالناس: "من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلِّين العصر إلا بِبَنِي قريضة"، وهم طائفة من اليهود بالمدينة من حلفاء الأوس، عزَم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على غزوهم، فسار الناس إليهم، وقد شغل جماعة من الصحابة ما لم يكن لهم منه بدٌّ عن المسير لبني قريضة ليصلّوا بها العصر، فأخروا صلاة العصر إلى أن جاؤوا بعد عشاء الآخرة امتثالاً لقوله - صلى الله عليه وسلم - لا يصلّين العصر إلا في بني قريضة، فصلوا العصر بعد عشاء الآخرة، وبعضهم صلّى العصر

٦٠٥ / ٦٢٢