شرح طلعة الشمس على الألفية المسماة بـ شمس الأصول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي

الجزء ٢ · صفحة ٣٠١

في وقتها في أماكنهم، وقالوا: "وقالوا ما يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منَّا أن ندع الصلاة ونخرجها عن وقتها، وإنما أراد الحثّ على الإسراع"، فما عابهم الله في كتابه، ولا عنّفهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأن كلاًّ من الفريقين مجتهد، وكذلك ما نقل من تقريره عليه الصلاة والسلام للرجلين اللذين أحدهما يقطع اللينة من نخل بني النضير، والآخر يصلح ذلك، وقد تقدّمت حكايتهما، ونزلت الآية بتصويبهما، وذلك قوله تعالى: { مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا

فَبِإِذْنِ اللَّهِ } (الحشر: 5)، وكذلك ما نُقل من خبر معاذ حين وجّهه - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن، وقد قال: "أجتهد برأيي"، وأقره - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي موسى حين وجّهه إلى اليمن: "اجتهد برأيك". قال المانعون: تجويز الاجتهاد في عصره يؤدي إلى الاستغناء عنه - صلى الله عليه وسلم - . وأُجيب: بأنه لا يُؤدي إلى ذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو المبلّغ والآمر بالاجتهاد، والمبين لأصول الحادثة وما يُقاس عليه، والله أعلم.

ثم إنه أخذ في بيان إمكان خلوِّ بعض الأزمنة من مجتهد، فقال:

وَمُمْكِنٌ خُلُوُّ بَعْضِ الزَّمَنِ … عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ فَقِيهٍ فَطِنٍ

اختلفوا في إمكان خلوِّ الزمان من مجتهد يُرجع إليه عند الحادثة، فقيل: جائز أن يخلو الزمان من المجتهد، واختاره البدر، وهو الصحيح، وأظنُّ أنه مذهب الجمهور، وقيل: لا يجوز خلوُّه من مجتهد، ونُسب هذا القول إلى الجبائي والحنابلة، وقال ابن دقيق العيد: "لا يجوز خلوَّ الزمان من المجتهد ما لم يتداع الزمان بتزلزل القواعد، فإن تداعى بأن أتت أشراط الساعة الكبرى، كطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك جاز الخلُوُّ عنه"، والمنع من خلوِّه مطلقًا هو مقتضى مذهب من منع تقليد الميّت؛ لأنه إذا منع من تقليد الميّت؛ وجب أن يكون في كل زمان مجتهد يجوز للناس أخذ دينهم عنه، لقوله تعالى: ﴿ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ (النحل: 7)، ولا يأمرنا

٦٠٦ / ٦٢٢