ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٣٠٤المناسبة في ذلك ظاهر، وهو أن الأبصار لا تدرك هذا الكوكب إلا بعد طلوعه، فشبّهنا هذا الشرح بذلك الطلوع؛ لأن معاني هذا النظم لا تدركه غالب البصائر إلا بالشرح، والتحقيق إثبات المسألة بدليلها والتكلّم بالحق، والوجه الثاني هاهنا أظهر، والإظهار نقيض الإخفاء، والإبهام هو الإخفاء، والمعنى أن هذا النظم المسمى بشمس الأصول قد تمّ ملتبسًا بالتحقيق، ومبيّنًا ما كان من قبله مختفيًا، والله أعلم، ثم قال:
وَأَبْرَزْتُ مُخَدَّرَاتِ الفَنِّ … فِي قَالَبِ النَّظْمِ البَدِيعِ الحَسَنِ
يُقال: أبرزت الشيء: إذا أخرجته من مكان مستتر إلى مكان منكشف، والمخدرات: النساء المقيمات في الخدور، وهو الحجاب المضروب عليهنّ، والمراد به هاهنا المسائل المستترة، وهي قواعد الأصول. والفنُ: بمعنى النوع، والمراد به هنا أصول الفقه، وقد كثُر إطلاقهم اسم الفنِّ على العلم، فيقولون فنُّ الأصول وفن الفقه وفن الكلام إلى غير ذلك، ويسمّون الجميع فنون العلم. والقالب: آلة قانونية يُعرف بها مقادير الأشياء المنطبعة، كالذهب والفضة والحديد والرصاص، بحيث يُصبُّ فيها ذلك الشيء، فتخرج على الحالة المقدّرة المعلومة، شُبِّه النَّظم به؛ لأن النظم آلة قانونية أيضًا، يُعرف بها أوزان الشعر على جهة مخصوصة. والبديع: الحسن، وفي إضافته إلى الحسن مبالغة ظاهرة، والمعنى أن هذه المنظومة أبرزت المستتر من قواعد الأصول في النظم الحسن، الذي هو كالقالب للأشياء، والله أعلم، ثم قال:
وَبَيَّنْتُ عِجَابَ هَذَا العِلْمِ … وَلَيَّنْتُ صِعَابَهُ لِلْفَهْمِ
التبيين: بمعنى التوضيح. والعجاب: اسم لما يتعجب منه لغرابته في النفوس، واستعظامها له. والتليين: عبارة عن جعل الشديد ليِّنًا، واللّين: لطافة مخصوصة، تجمد تارة وتُذمّ أخرى بحسب المقاصد واختلاف الأحوال. والصِّعاب: جمع صعب، وهو ما تشدّد من الإبل، استعاره هنا