الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢١٣وفيه من أخذ مالا ولم يكن له بينة فحلف المدعي عليه وحكم الحاكم ببراءة الحالف فإنه لا يبرأ في الباطن وأن المدعي لو أقام بينة بعد ذلك تنافي دعواه سمعت وبطل الحكم، أقول وفي المسألة خلاف بين أصحابنا رحمهم الله.
وفيه: من احتال لأمر باطل بوجه من وجوه الحيل حتى يصير حقا في الظاهر ويحكم له به فإنه لا يحل له تناوله في الباطن ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم.
وفيه: أن المجتهد قد يخطئ فيرد به على من يزعم أن كل مجتهد مصيب.
وفيه: أن المجتهد إذا أخطأ لا يلحقه إثم بل يؤجر كما سيأتي.
وفيه: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقضي بالاجتهاد في مالم ينزل عليه فيه شيء وخالف في ذلك قوم وهذ الحديث من أصرح ما يحتج به عليهم.
وفيه: أنه ربما أداه اجتهاده إلى أمر فيحكم به ويكون في الباطن بخلاف ذلك لكن مثل ذلك لو وقع لم يقر عليه صلى الله عليه وسلم لثبوت عصمته.
والحديث حجة لمن أثبت أنه يحكم بالشيء في الظاهر ويكون الأمر في الباطن بخلافه ولا مانع من ذلك إذ لا يلزم منه محال عقلا ولا نقلا وأجاب من منع بأن الحديث يتعلق بالحكومات الواقعة في فصل الخصومات المبنية على الإقرار أو البينة ولا مانع من وقوع ذلك فيها ومع ذلك فلا يقر عليها الخطأ وإنما المانع أن يقع فيه الخطأ أن يخبر عن أمر بأن الحكم الشرعي فيه كذا ويكون ذلك ناشئا عن اجتهاده فإنه لا يكون إلا حقا لقوله تعالى (وما ينطق عن الهوى) الآية، وأجيب بأن ذلك يستلزم الحكم الشرعي فيعود الإشكال ومن حجة من أجاز ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم) فيحكم بإسلام من تلفظ بالشهادتين ولو كان في نفس الأمر يعتقد خلاف ذلك.
والحكمة في ذلك مع أنه كان من اطلاعه بالوحي على كل حكومة فإنه لما كان مشرعا كان يحكم بما شرع للمكلفين ويعتمد الحاكم بعده ومن ثم قال: (إنما أنا بشر مثلكم) أي في بمثل ما كلفوا به، إلىن قال: ولعل السر في قوله: