الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢١٦وفيه الرد على من حكم بما يقع في خاطره من غير استناد إلى أمر خارجي من بينة ونحوها واحتج بأن الشاهد المتصل به أقوى من المنفصل عنه فوجه الرد عليه كونه صلى الله عليه وسلم أعلى في ذلك من غيره مطلقا ومع ذلك دل حديثه هذا على أنه إنما يحكم بالظاهر في الأمور العامة فلو كان المدعى صحيحا لكان الرسول أحق بذلك فإنه أعلم أن يجري الأحكام على ظاهرها ولو كان يمكن أن الله يطلعه على غيب كل قضية.
وسبب ذلك أن تشريع الأحكام واقع على يده فكأنه أراد تعليم غيره من الحكام أن يعتقدوا ذلك.
نعم لو شهدت البينة مثلا بخلاف ما يعلمه علما حسيا بمشاهدة أو سماع يقينيا أو ظنيا راجحالم يجز له أن يحكم بما قامت به البينة، ونقل بعضهم الاتفاق وإن وقع الاختلاف في القضاء بالعلم، إلى أن قال:
وفي الحديث أيضا موعظة الإمام الخصوم ليعتقدوا على الحق والعمل بالظن الراجح وبناء الحكم عليه، وهو أمر إجماعي، للحاكم والمفتي والله سبحانه وتعالى أعلم.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي القاضي يوم القيامة مغلول اليدين إما أن يفك عنه عدله أو يهوي به جوره إلى النار).
قوله (يأتي القاضي يوم القيامة مغلول اليدين إما أن يفك عنه عدله أو يهوي به جوره إلى النار) ومثل هذا الحديث ما ذكره صاحب القناطر رحمه الله في موعظة الأوزاعي لأبي جعفر المنصور وهي طويلة من جملتها حدثني يزيد بن جابر عن عبد الرحمن بن عمر الأنصاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل رجلا من الأنصار على الصدقة فرآه بعد أيام مقيما فقال له: ما منعك من الخروج إلى عملك أما علمت أن لك مثل أجر المجاهدين في سبيل الله؟ قال: لا، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من وال يلي شيئا من أمور المسلمين إلا أوتي به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه فيوقف على جسر من نار فينقض به ذلك الجسر انقضاضة يزيل كل عضو منه عن موضعه ثم يعاد فيحاسب فإن كان محسنا نجى بإحسانه وإن كان مسيئا انخرق به ذلك الجسر فيهوي به في النار سبعين خريفا) قال عمر: