الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٢٢وكانت الكهانة في الجاهلية فاشية خصوصا في العرب لانقطاع النبوة فيهم، وهي على أصناف:
منها: ما يتلقونه من الجن فإن الجن كانوا يصعدون إلى جهة السماء فيركب بعضهم بعضا إلى أن يدنوا لأعلى بحيث يسمع الكلام فيلقيه إلى الذي عليه إلى أن يتلقاه من يلقيه في أذن الكاهن فيزيد فيه فلما جاء الإسلام ونزل القرآن حرست السماء من الشياطين وأرسلت إليهم الشهب فبقي من استرقاهم ما يختطفه الأعلى فيلقيه إلى الأسفل قبل أن يصيبه الشهاب وإلى ذلك الإشارة بقوله (إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب) وكانت إصابة الكاهن قبل الإسلام كثيرة جدا كما جاء في أخبار شق وسطيح ونحوهما، وأما في الإسلام فندر ذلك حتى كاد يضمحل ولله الحمد.
ثانيها: ما يخبر الجني به من يوليه بما غاب عن غيره مما لا يطلع عليه الإنسان غالبا، أو يطلع عليه من قرب منه لا من بعد.
ثالثها: ما يستند إلى ظن وتخمين وحدس، وهذا قد يجعل الله لبعض الناس قوة مع كثرة الكذب فيه.
رابعها: ما يستند إلى التجربة والعادة، يستدل على الحادث بما وقع قبل ذلك، ومن هذا القسم الأخير ما يضاهي السحر، وقد يعتضد بعضهم في ذلك بالزجر والطرف والنجوم وكل ذلك مذموم شرعا.
وورد في ذم الكهانة ما أخرجه أصحاب السنن صححه الحاكم من حديث أبي هريرة رفعه (من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)، إلى أن قال في حديث آخر: (من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد برئ مما أنزل على محمد، ومن أتاه غير مصدق له لم تقبل صلاته أربعين يوما)، إلى أن قال: والعراف بفتح المهملة وتشديد الراء من يستخرج الوقوف على المغيبات بضرب من فعل أو قول.
قوله: (ذكر العسب وأراد ما يؤخذ عليه من الأجرة والعسب ضراب الفحل) يعني ففي الحديث مجاز الحذف أو مجاز مرسل، والذي جزم به من أن العسب اسم لضراب الفحل هو أحد المعاني الثلاثة التي ذكرها صاحب الصحاح