حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٣٩

ونقل عياض وغيره جواز الخروج عن الأرض التي يقع بها الطاعون عن جماعة منهم أبو موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين منهم الأسود بن هلال ومسروق، ومنهم من قال النهي فيه للتنزيه ولا يحرم وخالفه جماعة فقالوا: يحرم الخروج منها لظاهر النهي الثابت في الأحاديث الماضية، وهذا هو الراجح عند الشافعية وغيرهم، ويؤيده ثبوت الوعيد على ذلك فأخرج أحمد وابن خزيمة من حديث عائشة مرفوعا في أثناء حديث بسند صحيح حسن: قلت يا رسول الله فما الطاعون؟ قال: غدة كغدة الإبل المقيم فيها كالشهيد، والفار منه كالفار من الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف، إلى أن قال:

وقال الطحاوي: استدل من أجاز الخروج بالنهي الوارد عن الدخول إلى الأرض التي يقع بها، قالوا: وإنما ينهى عن ذلك خشية أن يعدي من دخل عليه، قال وهو مردود لأنه لو كان النهي لهذا لجاز لأهل الموضع الذي وقع فيه الخروج وقد ثبت النهي أيضا عن ذلك فعرف أن المعنى الذي لأجله منعوا من القدوم عليه غير معنى العدوى.

والذي يظهر والله أعلم أن حكمة النهي عن القدوم عليه لئلا يصيب من قدم عليه بتقدير الله فيقول: لولا أني قدمت هذه الأرض لما أصابني، ولعله لو أقام في الموضع الذي فيه لأصابه فأمر أن يقدم عليه حسما للمادة، ونهي من وقع وهو بها لا يخرج من الأرض التي نزل بها لئلا يسلم فيقول مثلا: لو أقمت في تلك الأرض لأصابني ما أصاب أهلها ولعله لو أقام بها ما أصابه من ذلك شيء ويؤيده ما أخرجه الهيثم، إلى أن قال:

عن أبي موسى أنه قال: إن هذا الطاعون قد وقع فمن أراد أن ينصرف عنه فليفعل واحذروا اثنتين: أن يقول خرج خارج فسلم وحبس حابس فأصيب فلو كنت خرجت لسلمت كما سلم فلان أو كنت جلست أصبت كما أصيب فلان، لكن أبو موسى حمل النهي على من قصد الفرار محضا، بهذا يتناوله النهي لا محالة.

ومن خرج لحاجة متمحضة لا لقصد الفرار أصلا ويتصور ذلك فيمن قصد الرحيل إلى بلد كان بها إلى بلد إقامته مثلا لم يكن الطاعون وقع فيها فاتفق وقوعه في أثناء تجهزه فهذا لم يقصد الفرار أصلا فلا يدخل في النهي.

١٬١٤٦ / ١٬٩٦٦